|
المساعدات
ستتحول إلى الأنظمة التي تتعرض لما يسميه الغرب: بخطر الاصولية
الإسلامية!، بعد أن أدت دورها في محاربة الشيوعية
حمزة الحسن:
توقفت المساعدات السعودية ـ حينما فرزت المواقف من أزمة الغزو
العراقي للكويت ـ عن عدد من الدول العربية وعشرات من الجماعات
والمنظمات والاحزاب والشخصيات السياسية، في خطوة وصفت في بداية
الأمر بالعقاب الأولي، ولتصبح بعد انتهاء حرب تحرير الكويت
موضوعا سياسيا بالغ الاهمية من منظور التقييم السعودي خصوصا
والخليجي عموما لسياسة المساعدات التي اعتمدت ما قبل الأزمة.
ولقد أثار
موضوع المساعدات، وبشكل عام موضوع الثروة السعودية والخليجية،
لغطأ واسعا منذ أن فجر صدام حسين قنبلته التي دغدغ بها المشاعر
العربية والمتعلقة بموضوع توزيع الثروة العربية بالعدل بين فقراء
واغنياء العرب.. وبعيدا عن الاستخدام السياسي الذي اراده صدام
حسين، فموضوع الثروة بالغ الحساسية ولكنه لم يطرق بالشكل
المناسب، بل كان مجرد وسيلة من وسائل الصراع والحرب يومها، لكنه
في حقيقة الأمر أحد أهم مفجرات الصراع في المنطقة العربية، ولعل
القائلين بأن حرب الخليج الثانية لم تكن سوى حربا على الموارد..
لم يبتعدوا كثيرا عن الصواب.
أصبح موضوع
المساعدات مادة خلاف وعداء بين المملكة ومحيطها الجغرافي
العربي.. ودخلت المملكة ساحة الجدل بقوة مرات ومرات، حول هذا
الموضوع بالذات، ودافعت الصحافة السعودية عن كل الخطوات التي
استخدمت، بل أن الرأي العام العربي شحن كثيرا بحقن من الدعاية
الممجوجة من قبل كافة الأطراف لاغراض ابعد ما تكون عن المنطق
السليم.
الدهشة
الكبرى
لا أحد ـ
نظريا ـ يعترض على استخدام المال لبناء النفوذ السياسي، وتعزيز
مكانة البلد المانح للمساعدة، ولا أحد يستبعد أو يتأفف ـ نظريا
أيضاً ـ من حقيقة أن الدول المتلقية للمساعدة لا بدّ وان تفقد أو
تتنازل عن شيء من استقلالها بسبب حاجتها المالية، وفق القاعدة
التي تقول: احتج لمن شئت تكن اسيره، واستغن عمن شئت تكن أسيره،
واستغن عمن شئت تكن نظيرة، واحسن إلى من شئت تكن اميره.
إن المال لا
يصنع وحده النفوذ والتأثير، وحدود تأثيره تزداد أو تنقص حسب
مستخدمه وضعف أو قوة المتلقي للمساعدة.. وقد يحدث في أحيان كثيرة
أن يدفع المال اتقاءا لشر الجار القوي، أو اسكاتا لصراخ الجائع
وتهديده، وقد يكون تأثير المال ساحقا في بعض البلدان وقليل
التأثير في اماكن أخرى.. إن المال إحدى ادوات التأثير وبناء
القوة.
وفق هذه
النظرة، لا يمكن لأحد أن يعتب على المملكة بشكل خاص لأنها تستخدم
المال لاغراضها السياسية، فمثل هذا الأمر أصبح طبيعيا لدى
العاملين في الحقل السياسي، بل أن شركات كبرى تقيم أنظمة وتقعد
أخرى، وتشعل حروبا وفتناً في كل العالم.. وليست هناك دولة مانحة
للمساعدات في العالم اجمع تمنح مساعداتها لوجه الله دون أن تنتظر
ثمناً أو تضغط من أجل ثمن سياسي.
ومع هذا، يبدو أن بعض الدول العربية تقبل الخضوع لشروط وسلطان
الدول الغربية مانحة الدعم، ولكنها لم تكن لتقبل أن ترضخ لدول
الخليج عموما والسعودية خصوصا، لاسباب متعددة.
فبعضهم يقول بأنه لا ينتظر من المملكة ـ وهي دولة عقائدية دينية
عربية ـ إلاّ أن تمنح المال «لوجه الله»، فالمساعدات جزء من
التزاماتها الدينية باعتبارها بلدا يحتضن مقدسات المسلمين.. فضلا
عن موقعها العربي وما يمكن ان يترتب على المملكة وفق قيم العروبة
من اغاثة الفقير وسد عوز الضعيف واجابة الملهوف والمضطر.
والبعض الآخر، يعتقد ـ إضافة إلى حقوقه كفقير في مال الغني ـ أن
الرضوخ لسلطان الغرب ومساعداته يمكن أن يفهم على أساس أن دوله
قوية وليست غنية فحسب، وانها في الاساس دول معادية لا قيم
إنسانية لديها، وهناك فرق بين الخضوع لقوي غني ومصنف في الاساس
كعدو، وبين الخضوع وتقديم التنازل لغني فحسب، شاءت الصدفة
«الجيولوجية» أن جعلت النفط في بقاع ملكه!.
وآخرون يرون، أن الثمن الذي تبحث عنه المملكة نظير مساعداتها لا
يتناسب وحجم المساعدات التي تقدمها، وأن تلك المساعدات تأتي
مقرونة بالاذلال والمهانة وتقبيل اللحى!.
أيا تكن الأسباب، فقد نشأت حساسية قوية وإن لم تكن ظاهرة من
تبعة المساعدات السعودية في أكثر من قطر عربي، وبالخصوص في اليمن
التي كان طافحا فيها التأفف من التدخلات السعودية المتصاعدة
بمقدار تصاعد المساعدات نفسها!.. ولكن المسؤولين السعوديين لم
يدركوا حجم الكره الشعبي العربي ضد سياساتهم كما لم يتفهموا
مبرراته إلاّ متأخرين حين راحت الجماهير تهتف ضدهم تأييدا لصدام
حسين، وقد كانوا من قبل يتصورون أنه لا يمكن لتلك الحكومات
والشعوب الفكاك من نفوذهم الذي بنوه بالمال.
دعنا من مسألة العلاقة المهزوزة والحساسيات الشديدة بين الفقراء
بالاغنياء، فهذا من الأمور الطبيعية للغاية ولا يمكن نكرانها..
لكن هناك شيئا أكبر من هذا قد حدث أثناء أزمة الخليج التي طرحت
اسئلة في غاية الاحراج، ونكأت جروحا لم تكن قد اندملت بعد.
إن مواقف العديد من الدول العربية تجاه الغزو واستقدام القوات
الأمريكية إلى المنطقة يطرح الكثير من التساؤلات، ويثير الكثير
من الشكوك حول موضوع تأثير المساعدات والنفوذ السعودي المترتب
عليها.
لقد روج الإعلام السعودي، بأن الدول العربية التي ايدت العراق،
انما ايدته من أجل الحصول على جزء من كعكة الكويت وربما السعودية
نفسها.. إن هذا التحليل لمواقف الدول الاقتصادي هو الاساس.. فإذا
كان كذلك، فلنا أن نتساءل عن اثر المساعدات السعودية والخليجية
السابقة لازمة الغزو، لماذا لم تحجب تلك المساعدات دولا وجماعات
عن اتخاذ مواقف ضد أو مناقضة لسياسة المملكة، على الأقل حفاظا
على الدعم وضمانا لتدفق تلك المساعدات؟.
ثم لماذا لم تدافع الشعوب العربية بمجملها عن دول الخليج، إذا
كانت ترى أن مصلحتها في ابقاء تلك الرابطة المصلحية، خاصة وأن
حركة الشعوب كانت أسرع من مواقف انظمتها واشد، ونقول هذا حتى
نقطع التبرير الذي يواجهنا والذي يقول بأن الشعوب العربية خدعها
حكامها بشأن الأزمة.. مع انه لا ينكر أبداً بأن الشعوب العربية
عاطفية وتستثيرها الشعارات على نحو سيء.
ـ هل هي الخيانة ونكران الجميل والحسد، كما برر ذلك الزعماء
الخليجيون؟.
ـ وهل هي العقائدية والمبدئية التي ادعاها المخالفون لدول الخليج
وسياساتها؟.
ـ أم هل أن المساعدات السعودية لم تكن اساسا بالقدر الكافي الذي
يمكنها من صنع موقف شعبي ورسمي عربي؟.
ـ أم أن مبدئية الشعوب العربية أساسا وحماسها لكل من يدعي الدفاع
عن قضية عزيزة قد غرر بها، فقدمت مبادئها بشأن فلسطين والوحدة
العربية على المال السعودي والخليجي، أم ماذا؟.
لقد اصابت الدهشة المسؤولين السعوديين، وربما معظم شعوب الخليج
وحكامه، حينما رأوا أن الغالبية العظمى من الشعوب العربية
والإسلامية تقف ضدهم بشأن قضية الخطأ والصواب فيهما واضحين
بالنسبة لهم، ولم يكونوا قادرين على فهم الأسباب التي أدت لتلك
المواقف، في حين راحت ماكنة الدعاية السعودية تصور الأمر بسذاجة،
فمرة يتم تبني نظرية التآمر، واخرى الحسد الذي اصاب الفقراء
العرب على النعمة التي وهبها الله إياها شعوب الخليج.
المواطن الخليجي كان يتساءل، سواء كان مع القوات الأجنبية أو
ضدها، عن سر الكره والبغض المشتعل والمتفاقم ضد كل ما يمت إلى
الخليج بصلة.. لقد تعدى الكره والغضب الأنظمة الحاكمة لتصل إليه
هو شخصيا.. على الأقل هذا ما شعر به بصورة تلقائية، ولربما كان
لبعض الجهلة دور أساس في ذلك، من خلال طرح الشعارات المنتنة، وقد
استثمر الإعلام السعودي تلك الشعارات الهوجاء لغرس فكرة اساسية
لدى المواطن الخليجي، بأن اخوانه العرب في الطرف الآخر، لا
يعارضون نظم الخليج الفاسدة فحسب، بل يريدون به هو بشكل خاص
الشر، ولينهبوا منه لقمة العيش كما نهبت الكويت!.
إن المشاعر المعادية من مختلف الأطراف والتي انطلقت أثناء أزمة
الغزو العراقي للكويت، كانت شاهدا على عمق الهوة بين الاثرياء
والفقراء العرب، وكانت أيضاً دليلا آخر على أن الوضع العربي
مهزوز بفعل تفاوت الثروة والغنى، وما يمكن أن يؤديه ذلك التفاوت
من مشاكل مستقبلية وصراعات بين الدول العربية المزروعة بالاضغان
والاحقاد.
مراجعة السياسة
لا أحد ينكر أن المملكة تعتبر الدولة الأولى في العالم في موضوع
تقديم المساعدات من حيث نسبتها والموازنة العامة أو الناتج
القومي.. ومن حيث مقدار المساعدات تأتي في الدرجة الثانية بعد
الولايات المتحدة الأمريكية.
فليس صحيحا إذن أن المملكة لا تساعد، مع ملاحظة أن معظم
مساعداتها هي لبلدان عربية واسلامية، وتلك مسألة سنأتي إلى بحثها
وتبيان غاياتها.
وليس صحيحا ـ بالمقياس المتعارف عليه ـ أن مقدار المساعدات قليل
للغاية، وان كان القول بأن حجم المساعدات يجب أن يكون أكبر مما
كان عليه في وقت من الاوقات وانه لا يتناسب وثروة المملكة وثقل
التزاماتها الدينية والسياسية.. يحمل الكثير من الوجاهة.
وفي المقابل، هناك اعتراضات كثيرة، على السرف والسفه في صرف
المال الخليجي عامة يرى العرب والمسلمون أنهم أولى به ـ وهم في
اوضاعهم الحرجة ـ بدل تبذيره على التوافه وتضييعه على الشركات
الغربية الناهبة.
ومن الاعتراضات الجوهرية على المساعدات السعودية، ما يتعلق
باستثمارها السياسي والوسائل المتبعة في ذلك، واستخدامها باسلوب
فج في الضغط على النظام السياسية العربية، وتحويل اتجاهاتها
السياسية، الأمر الذي ولد مرارة عميقة في النفوس.
لقد اعطت المملكة من الأموال الشيء الكثير، وحين جاء دفع الثمن
الذي كانت تريده أثناء الغزو، اشاح الجميع بوجوههم، فكان رد
الفعل الأولي: وقف المساعدات، رغم ان الخلل لم يكن في المساعدات
نفسها، وانما في آليات استخدامها والثمن الذي كانت تريده من
مستلميها.
وبدأت المراجعة السعودية بعد أن تأجلت ريثما تنتهي الحرب، يدفعها
في ذلك ضعف الاداء الاقتصادي والازمات المالية التي تمر بها
المملكة بسبب مترتبات تمويل حرب الخليج الأخيرة.. فانتهزتها
فرصة، وأوحت للشارع السعودي بأن معاداة المملكة للدول الأخرى
وقطع المساعدات عنها، يستهدف في أهم وجوهه توفير العيش الكريم
للشعب في الداخل والذي ضعفت قدرته الشرائية منذ منتصف الثمانينات
على اثر هبوط اسعار النفط.. بل أن بعض الاعلاميين والمسؤولين
الجهلة وبينهم بعض رجال المؤسسة الدينية الرسمية اثنوا على قرار
طرد اليمنيين العاملين في المملكة، بحجة أن ذلك سيوفر فرص عمل
ويضعف المنافسة أمام انطلاقة المواطن السعودي!.
لقد تنبه عدد من المثقفين السعوديين ومنذ وقت مبكر، إلى أن
الرابط (المالي) بين المملكة والدول الأخرى، والذي أصبح المحور
الاساس في العلاقات يعود بالكثير من النتائج السلبية السيئة.
كانت العلاقات «نفعية»، ولم تكن محكومة بمبادئ وأخلاقيات وأسس،
وكان العطاء في الغالب يأتي بصورة اعتباطية، فقد شهدت العاصمة
السعودية رجالا من مختلف الاصناف: رؤساء دول وحكومات وزعماء
منظمات وكتاب وصحافيين ونصابين ومحتالين وغيرهم يسألون العون
والمساعدة، فكان الملك أو غيره من الأمراء الكبار يكتب ورقة
لوزير المالية أو رئيس مؤسسة النقد ليدفع لهذا وذاك حسب تقييم
الملك.
كانت الاعطيات والمساعدات توهب بدون تعقل مثلما يفعل شيخ
القبيلة، وكان ينظر إليها في الغالب كأعطيات شخصية، أو يأخذها
مستلمها كأعطية شخصية، بحيث أصبح الدعم لا يصل إلى غايته التي
سئل من اجلها، وهذه إحدى المشكلات الحساسة التي واجهت المسؤولين
السعوديين.
كان كثير من المثقفين يدعون إلى تقنين عملية الدعم والتبرع
الاعتباطي الذي يقرره الملك واركان الحكم من الأمراء الكبار، فمن
وجهة نظرهم يجب أن يكون الدعم مدروسا من حيث كلفته والتأكد من أن
المال يصل إلى جهته وغايته.
ومثل هذه الآراء لم تكن تسمع فيما مضى، خاصة وأن الجهات التي
تستلم الدعم تبحث عن سيولة نقدية تستطيع من خلالها التصرف بالمال
في أي وقت ولاي غرض، وليس بالضرورة لتمويل المشروع الذي سئل
المال من اجله.
ومع أن المملكة جربت الكثير من الوسائل لتوزيع المساعدات، بعضها
شخصي يعطي للرؤساء والصحافيين والاصدقاء والحاشية وزعماء
التنظيمات والجماعات السياسية والنواب والوزراء واضرابهم..
وبعضها للبلد المحتاج، عن طريق البنك الإسلامي أو مؤسسة النقد أو
وزارة المالية، وبعضها يتم كتمويل لصفقات أسلحة تشتريها المملكة
لهذه الدولة أو تلك كاليمن أو الأردن أو سوريا، وبعضها يتم بدفع
أموال ضخمة ونقدا لمشاريع على الورق لا يمكن للمسؤولين السعوديين
التأكد من تنفيذها بل كانت تعطي دون دراسة كلفتها الحقيقية، أو
كقروض لا يتوقع السعوديون حتى اليوم أنهم سيستلمونها، بل لا
يلحون على استلامها.
تلك كانت بعض فتوات المساعدات التي استخدمتها المملكة في السابق،
ومن الواضح ان طريقة التوزيع كانت اعتباطية للغاية.
ولقد أدت تلك الوسائل والعقلية التي حكمتها إلى أمرين خطيرين:
أولهما: ان العلاقات بين المملكة وجيرانها أصبحت محكومة بمقدار
ما تقدمه من مال.. وقد كان الآخرون ينظرون من جهة أخرى إلى تلك
العلاقات بأنها قائمة على هذا الاساس، بل واعتبار ان لا شيء ذا
قيمة في العلاقات غير «التنفيع» هذا، واعتباره الركن الاساس لكل
الأمور الأخرى.
وثانيهما: أن أغلب المساعدات ـ كما يقول بعض المسؤولين السعوديين
ـ ذهبت إلى جيوب أشخاص، ولم ينتفع منها المواطن العربي العادي،
وهذا من وجهة نظر هؤلاء هو أحد اسرار وقفة الشعوب العربية
والاسلامية ضد المملكة أثناء أزمة الخليج.
وفي الوقت الحالي هناك الحاحا من قبل بعض رجال الحكم على تعديل
ومراجعة سياسة المساعدات لا وقفها كما هو جار حاليا، ولكن اطرافا
أخرى، ربما لا تفهم واقع المملكة وتداخل مصالحها وامنها مع
محيطها، تطالب باستخدام المال كعقاب، يعطي لمن يؤيد ويمنع عمن
يعارض.. وحتى هذه السياسة التي لا تزال المملكة سائرة فيها، ليست
صحيحة.. إنها من أحد الاوجه نفس السياسة القديمة، وهناك من
يتساءل: من يضمن استمرار وقوف الدول المستفيدة من الدعم في الوقت
الحالي مع المملكة في المستقبل والى متى؟.. ولماذا يكون المال
الوسيلة «الوحيدة» التي تتحكم في مسار علاقات البلاد بالدول
الأخرى؟.
المؤثرات السياسية والاقتصادية
ويبدو أن الاتجاه الذي يتحكم بقضية المساعدات سيتأثر بالتالي:
أولاً: إمكانات المملكة الاقتصادية، إذ لم تعد المملكة قادرة في
الوقت الحالي ولا في المستقبل القريب، بسبب أزمة اسعار النفط،
على الدفع كما كان في الماضي وبحجمه.. إن المملكة تعيش مشكلة
اقتصادية حقيقية منذ منتصف الثمانينات الميلادية، ومنذ عام 1982م
وميزانيتها السنوية واقعة تحت مطرقة العجز المتزايد، بل إنها في
سنوات عديدة لم تعلن ميزانيتها السنوية، كما أن ارصدتها المالية
في الخارج تقلصت إلى حدّ كبير، أو غير قادرة على التصرف بها.
وجاءت أزمة الخليج لتضيف اعباءا متزايدة، وهناك سخط شعبي واسع
آخذ في الازدياد من سياسات الحكومة الاقتصادية، بسبب التدهور
المتزايد في قدرة المواطنين الشرائية، وعدم توفر فرص عمل كافية
لقطاع واسع من المتعلمين.
ثانيا: تغير الاوضاع السياسية الاقليمية والدولية، أدى إلى تغيير
سلم اولويات الدول المستفيدة من الاعانات والمساعدات.. فمن
المعلوم ان المساعدات كانت ولا تزال مرتبطة بشدة بخيار المملكة
السياسي واستراتيجيتها الأمنية.
ففيما مضى، كانت أكثر المساعدات السعودية تقدم للدول المواجهة
لاسرائيل، وكانت المملكة تستشعر الخطر الصهيوني، وكانت تنظر إلى
نفسها بأنها ملزمة بتمويل هذه الدول من منطلق التزاماتها الدينية
تجاه فلسطين.. أمّا الآن، وبعد أن خرجت مصر من ساحة الصراع، الآن
وبعد أن عزفت اوتار السلام منذ جوقة مدريد في العام الماضي، الآن
وبعد أن اتخذت الأردن ومنظمة التحرير مواقف مؤيدة للعراق في
غزوه، فإن اتجاهات الدعم ستتحول إلى جهات أخرى، مع أن الكثيرين
يعتقدون ـ وهو صائب إلى حد كبير ـ بأن المساعدات السعودية لدول
المواجهة كانت على الدوام لا تفي بالغرض، وان نصيب منظمة التحرير
من تلك المساعدات كان قليلا، رغم أن المملكة اوفت بالتزاماتها
التي قررتها مؤتمرات القمم العربية، حتى جاء الغزو العراقي.
وللحق، فإن المسؤولين السعوديين، يشيعون دائما بأنهم لا يستطيعون
نسيان تخاذل الجهات المستلمة لدعمهم أثناء الأزمة، لغرض واحد في
الاساس، هو أنهم لا يريدون اعادة واحد في الاساس، هو أنهم لا
يريدون اعادة العلاقات إلى طبيعتها، لأن اعادة العلاقات من وجهة
نظرهم يعني اعادة فتح قنوات الدعم، وهذا ما لا يريدونه في الوقت
الحالي، أو لا يستطيعون تحمله كما مضى. وحسب أحد الصحافيين
السعوديين اللامعين، فإن الخلاف بين المملكة وجيرانها يدور في
الوقت الراهن على موضوع استمرار المساعدات، وأن الآخرين يطالبون
بأن تتم بنفس الطريقة السابقة دون تغيير.
وبدت المساعدات في وقت مضى وكأنها موجهة للدول التي تتعرض من
وجهة النظر السعودية لخطر الشيوعية والتنظيمات اليسارية، ومن هذا
المنطلق نشطت المملكة في دعم الحركات الدينية والسلفية بمختلف
اصنافها لمواجهة الخطر الشيوعي منذ بداية الستينات الميلادية..
وقد استخدم المال السعودي ليس لوقف زحف ما اسماه الملك فيصل
بالشيوعية ومحاصرة النظم التي تتبنى نتاجها الفكري أو
الاقتصادي.. بل وتحويل بعض الأنظمة إلى المعسكر الأمريكي، ومثال
ذلك واضح بالنسبة لمصر بعد وفاة عبد الناصر، وللسودان في عهد
نميري، وللصومال في عهد سياد بري.
كانت المملكة تعتبر نفسها العدو الأول للشيوعية أو الدول
الاشتراكية لا ينافسها في ذلك منافس، وكان ذلك العداء يتماشى مع
السياسة الغربية بشكل عام، بدليل أن المملكة نفسها كانت من أوائل
الدول العربية التي اقامت علاقات مع البلاشفة منذ العام 1926م
واستمرت حتى عام 1937م.
الآن وقد انهار المعسكر الشيوعي، فيبدو أن الدعم سيتوجه إلى تلك
الدول التي تعيش فترة نقاهة وانتقال إلى المعسكر الرأسمالي
وتنتهج سياسة السوق الحرة، وقد ظهر ذلك من خلال تقديم المملكة
لقرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار قبل أشهر من نهاية الاتحاد
السوفيتي، وشاركت بفاعلية في تمويل الخطط الغربية لمساعدة مجموعة
الدول المستقلة، حيث قدمت نحو ملياري دولار.
ويبدو ان اتجاه المملكة السياسي الحالي يدفعها باتجاه دعم الدول
التي تتعرض لما يسميه الغرب: بخطر الاصولية الإسلامية، كما رأينا
ذلك بوضوح في الجزائر وتونس، فرغم أن موقف تونس لم يكن مريحا
للسعوديين أثناء الغزو العراقي، إلاّ أنهم سرعان ما أعادوا
الجسور المقطوعة بعد انتصار الجبهة الإسلامية للانقاذ في
الانتخابات الجزائرية، وقد زار الأمير نايف تونس فيما زار مسؤلون
تونسيون الرياض، وتعهدت المملكة لتونس والحكم الجديد في الجزائر
بزعامة الراحل بوضياف بتقديم معونات ومساعدات لمواجهة الاصولية.
ويمكن أن يفسر دعم السعودية للدول الإسلامية المستقلة حديثا،
إنها من أجل ضرب الحركات الاصولية القوية في بعضها، وتحويلها عن
الاتجاه الايراني، ودفعها لاقتفاء النموذج التركي الذي هو بنظر
السعوديين اهون الشرين.
وفي الحقيقة، فإن أزمة الخليج اعطت الذريعة للحكومة السعودية
التي تنتظرها، لتفك الارتباط بينها وبين بعض الحركات الإسلامية
في الوطن العربي والاسلامي، بل إنها ذهبت إلى ابعد من ذلك حين
حجبت الدعم عن المجاهدين الافغان قبيل بضعة أشهر من انتصارهم.
إن إحدى أهم مشاكل المملكة مع السودان، هو في نظرها سيطرة حركة
اصولية على الحكم!، ولكن من المدهش حقاً أنها في نفس الوقت تدعم
بعض التيارات السلفية التي خلقتها في اليمن لقتال الحكم المركزي.
أصبحت القاعدة اليوم أن الحركات الإسلامية لا يجب أن تحصل على
دعم من المملكة، بل والاهم من ذلك أن لا تتيح لها فرصة أن تحصل
على عون شعبي بطرقها الخاصة، وهو ما كان يحدث في الماضي، خاصة
وأن الدعم الحكومي لكثير من الحركات كان قليلا، بل أن هناك من
يجادل بين المسؤولين في المملكة بأن اخيرة لم تكن تدعم الحركات
الاصولية، وانما الجهات الدينية الرسمية والتجار يقومون بذلك
وبالتالي لا يمكن ايقاف الدعم.
وللتذكير فقط، فإن منظمة التحرير لم تتلق دعما حكوميا منذ الغزو
العراقي للكويت، ولكنها تلقت بعض الدعم الشعبي ولكن عبر القنوات
الحكومية.
ومما لا شك فيه، فإن الدعم السعودية سيوجه مستقبلا إلى الحكومات
العربية والاسلامية التي تعاني من خطر الحركات الإسلامية، إذ أن
هناك تأففا واضحا منها قبل الغزو العراقي، فقد انتفت الغايات
منها بعد انهيار الشيوعية، كما إنها أصبحت كتلة سياسية خطرة ضد
الغرب والانظمة العربية المرتبطة به وبينها المملكة نفسها، ولعل
ما تنشره الصحافة السعودية أحد شواهد التقزز من الحركات
الإسلامية.
وكانت المساعدات السعودية فيما مضى تبدأ بالدائرة العربية ثم
الإسلامية ثم العالمثالثية، وفي الحقيقة فإن معظم الدعم السعودي
كان موجها للدول العربية، أمّا في المرحلة القادمة، فإن حصة
الدول العربية، أمّا في المرحلة القادمة، فإن حصة الدول العربية
ستتقلص لصالح جهات ليست عربية وليست إسلامية.
ثالثا: إضافة إلى توقع تقلص حجم المساعدات السعودية في السنوات
المقبلة وتبذل إستراتيجية الدعم، وخارطته ليخدم المخطط الغربي في
محاربة ما يسميه بالاصولية الإسلامية.. فإن كل الدلائل تشير إلى
أن الدعم السعودي سيكون ضمن منظومة مختلفة، فالمملكة كما يريد
لها بعض المتنفذين ستقدم قروضا ودعما مرتبطا بالحركة الاقتصادية
الداخلية، بحيث تتولى الشركات السعودية تنفيذ المشاريع المقررة
بعد دراسة جدوائيتها وكلفتها، فيستلم البلد المدعوم مشروعا
جاهزاً، بحيث تكون الكلفة أقل ويكون الاستثمار المحلي لها أكبر.
كما تسعى المملكة في الوقت الحالي لوضع عدد من رجالها على رأس
المنظمات الاقتصادية والثقافية العربية وأيضاً على رأس المشاريع
المشتركة حتى تسهل المراقبة ويسهل التحكم في قنوات الدعم، وذلك
كشرط أولي لدخولها حلبة الاستثمار.
ومن جهة أخرى، هناك من الأمراء السعوديين من يرى، أن الدعم
السابق لم يستثمر لصالح المملكة بالشكل المطلوب ـ بعكس ما يقال
عنه ـ نظرا لأن الملك وكبار الأمراء اعتادوا تقديم الدعم كونه
عربون اخوة ومودة واستثمار بعيد الأجل، وهؤلاء يرون بأن من
الضروري للمملكة أن تربط صراحة بين مطالبها السياسية وبين دعمها،
وان تستثمرها بشكل واضح في سياساتها قصيرة المدى، تماما مثلما
تفعل الدول الكبرى والمنظمات الدولية الكبيرة.
ما يقصده هؤلاء أن توضع شروط سياسية مسبقة للدعم انى كانت اشكاله،
ولا ينطبق هذا إلاّ على الدول العربية والاسلامية، التي بامكان
المملكة ممارسة نفوذها عليها.. وهناك من المسؤولين من يعتقد بأن
من الضروري أن لا تلزم المملكة نفسها بدعم ثابت منتظم، بل اعتماد
المساعدات غير المنتظمة التي تتيح ممارسة الضغوط بشكل مستمر على
الطرف المتلقي!.
والحقيقة فإن العديد من الرؤساء والحكام العرب والمسلمين، كانوا
يعتمدون سياسة اقناع المسؤولين السعوديين لمنحهم المساعدات،
بالعزف على أهمية تلك المساعدة في توفير «الأمن للمملكة»، ولذا
فإن هناك من يعتقد بين المسؤولين بأن قرشا لا يجب أن يصرف قبل
تحديد المردود السياسي منه.
الانعزال
فكرة الانعزال عن العالم العربي بمآسيه ومشاكله، والتعويض عن ذلك
بعلاقة اشد مما هي عليه الآن مع الغرب.. هذه الفكرة غير مطروحة
بقوة في المملكة، بعكس ما نجده في الكويت على سبيل المثال..
فهناك قناعة لدى المسؤولين السعوديين بأن المملكة لا تستطيع
الانعزال سياسيا عن جيرانها، ولا تستطيع إلاّ أن تدفع المال
والمساعدة للتخفيف من حدة التوتر والاضطراب في المحيط الخليجي.
غير أن المسؤولين السعوديين يريدون تأجيل الدفع في الوقت الحالي،
ريثما يرتبون اوضاعهم الخاصة بهم.. أمّا من حيث المبدأ، ومهما
تكن الاحوال المستقبلية، فإن التزامات المملكة المالية ستعود
بوتيرة بطيئة.
ويقترح عدد من المثقفين السعوديين، بأن تسعى المملكة ووفق
إستراتيجية أمنية في الاساس، لتنمية بلدان العالم العربي ما
امكنها ذلك، فهذا يخفف من جانب الاضطرابات في البلدان العربية
الفقيرة، ويمنع من جانب آخر تطور تلك المشاكل وانتقالها للداخل
السعودي.
وحدهم الكويتيون الذين يعتقدون ـ ربما بسبب صدمة الغزو ـ بأن
تحويل المال للحماة الامريكيين والبريطانيين كاف ليضمن لهم
الاستقرار ضمن حدودهم.. وهم في هذا لا شك واهمون.
بل أن عددا من الغربيين يعتقدون عكس ذلك تماما، أنهم يرون بأن
استقرار المنطقة الخليجية رهين بتوزيع الثروة، وان الثروة يجب أن
تتفتت وتتحول من الغني للفقير، وهذا ما قاله صراحة دوغلاس هيرد
ابان أزمة الخليج الثانية، وهناك من يدفع بالسعودية إلى مواصلة
دعمها فعلا لجاراتها.
غير أن هناك بعض الرؤى التي يجب أن تصحح لدى مانحي ومتلقي
المساعدة الخليجية عامة، والسعودية خاصة، أولها: أن الدول
المانحة لا بد وأن تجني شيئاً من النفوذ السياسي مقابل ما تدعم،
ولكن في المقابل لا يجب أن يتحول النفوذ إلى اداة اذلال وتحقير،
أو إلى اداة استباحة لاستقلال الدول الفقيرة وانتهاك سيادتها،
إلى حد يجعل البلد المتلقي ناقما ويبحث عن خلاص كما هو الحال مع
اليمن، أو يرفض المعونة والدعم من الاساس كما جرب ذلك السودان..
ومن المفترض أن يتم استغلال النفوذ لصالح البلد المتلقي وليس
للاضرار به، وهذا يعتمد على دول الخليج وغاياتها من الدعم
وتقديرها لحقيقة الاوضاع في تلك البلدان، وهذا لا يتم إلاّ بوضع
ضوابط اخلاقية للمساعدات، حتى لا تصب في قنوات تضر بالشعوب
العربية وخياراتها السياسية، بل وبسمعة المملكة نفسها.
وإذا كان المطلوب من المملكة وجاراتها أن تمارس نفوذا محدودا
ومؤدبا لا يصل إلى حد التعبير والاذلال والاختراق الفاضح المثير
لخصوصيات الآخرين.. فإن المطلوب من الآخرين أن يدركوا واقع
السياسة المعاصرة، إذ لا يوجد دعم بدون أهداف سياسية، ومن
الضروري أن تترفع الدول العربية من الحساسيات تجاه ما يسمونهم
بأثرياء العرب، وان لا تضخم المسائل باكثر مما تتحمل.
إن المساعدات السعودية يجب ـ من منظور امني على الأقل ـ أن تستمر
وتتحول إلى تنمية الدول العربية المجاورة، وبدون هذه الوسيلة فإن
المملكة وبلدان الخليج الأخرى لا تستطيع العيش في محيط من الترف،
في حين تصك صرخات الفقراء آذان الجميع!.
الجزيرة العربية/ السنة الثانية ـ العدد التاسع عشر ـ أغسطس
1992م/ صفر 1413هـ
|