|
كشفت مقالة
نواف عبيد، الموظف في جهاز الإستخبارات السعودية كمستشار أمني،
والمنشورة في الواشنطن بوست في 29/11/2006، والمعنونة بـ
(السعودية ستحمي سنّة العراق).. كشفت رأس خيط السياسة السعودية
الشرق أوسطية القادمة.
لقد تنبّأ
كثير من الأكاديميين، بأن (الطائفية) ستكون (مادّة الصراع والحرب
في الشرق الأوسط) خلال السنوات القادمة. وأشاروا بالتحديد الى ان
المملكة هي صاحبة اليد الطولى في الصراع، لاعتبارات دينية تتعلق
بوجود الأماكن المقدسة واعتبار السعودية لذاتها زعيمة العالم
الإسلامي، وكذلك لاعتبارات موضوعية تتعلق بالأيديولوجيا
الوهابية، التي تمثّل النقيض الصارخ للشيعة، وفي حال نجح
السعوديون في جرّ العالم السنّي، فستكون حرباً سنيّة ـ شيعيّة
شاملة، وليس وهابية ـ شيعية فحسب، تدور على أكثر من أرض وفي أكثر
من دولة عربية وإسلامية. واعتبرت هذه الحروب (المقترحة أميركياً)
البديل الموضوعي لما تعارف على تسميته (الصراع العربي ـ
الإسرائيلي).. والبديل عن بروز خطر (أصولي) من أنظمة أو جماعات
تهدد المصالح الغربية، كما أنها البديل عن (زرع الديمقراطية
الغربية) بالقوة العسكرية أو بالضغط والإكراه، فضلاً عن كونها
البديل للتدخل العسكري، فعبر الحروب الطائفية يمكن إنهاك كل
المنطقة ومعظم الخصوم.
لقد كشف
مارتن أنديك علناً قبل مدّة عن سياسة فرق تسد على أُسس طائفية في
حال فشلت السياسة الأميركية في العراق. وذات النغمة تكررت
بعبارات مختلفة من قادة صهاينة أثناء وبعد الحرب الإسرائيلية
السادسة على لبنان، حين صرح أولمرت وبيريز وليفني حول (الخطر
الشيعي) وضرورة تحالف الدول العربية المعتدلة مع الدولة العبرية
لمواجهة ما سماه أولئك الخطر المشترك (الإيراني ـ الشيعي).
النغمة تلك
سبقتها بالطبع تصريحات ملك الأردن عن (الهلال الشيعي) وتصريحات
الرئيس المصري حول عدم ولاء الشيعة العرب لأوطانهم وإنما لإيران،
ولقاءات بندر بن سلطان في عمّان مع أولمرت ورئيس الموساد، والتي
نشرت تفاصيلها في الصحافة العربية والأجنبية، وأعدنا تحليلها
وتسليط الضوء عليها في هذه المجلة في الأعداد الماضية.
مشكلة
السعودية
بعيداً عن
أسباب الضعف في السياسة الخارجية السعودية، فإن جذر القضية هو أن
السعودية بشكل خاص تعتمد في نفوذها السياسي في المنطقة على
(المؤشر الأميركي). فهي ملحق للسياسة الأميركية، وتابع منفذ لها
بشكل عام، سواء تلك المتعلقة بفلسطين أو أفغانستان أو العراق أو
السودان أو غيرها. حتى لو كان للسعودية وجهة نظر أخرى، فإنها
ترضخ في النهاية للرؤية الأميركية. معنى هذا، أن السعودية ربطت
مصير نفوذها بمصير النفوذ الأميركي. ولم يكن النفوذ الأميركي
موضع تحدّ وضعف في آن مثلما هو عليه الحال اليوم، حيث الخسائر
الفادحة تمتد من أفغانستان ولا تتوقف إلا عند فلسطين مروراً
بإيران والعراق ولبنان وسوريا.
بسهولة
بالغة يمكن القول، إذا ضعف النفوذ الأميركي في المنطقة أو تضعضعت
استراتيجية واشنطن، فإن الرياض بلا شك يصيبها العطب مثلما يصيب
واشنطن. خسائر أميركا في العراق هي خسارة للسعودية، وخسارة
أميركا واسرائيل والغرب في لبنان وفلسطين هي خسارة للسعودية
أيضاً كما هو واضح الآن. فالإنحياز السعودي لخط السياسة
الأميركية الفاضح يجعل السياسة والنفوذ السعوديين عرضة لغضب
الشارع العربي والإسلامي، وعرضة للقوى المناهضة للمشروع الأميركي،
وعرضة أيضاً لغضب القوى المتضررة من السياسة الأميركية ـ
الأوروبية.
هذا باختصار
جذر مشكلة السعودية. وقد كانت السعودية في الثمانينيات الميلادية
الماضية تمتلك هامشاً واسعاً من الحرية (يميّزها) عن الموقف
الأميركي وإن لم (يتعارض) معه بالضرورة، ولكنها منذ حرب تحرير
الكويت، وزاد الأمر بالخصوص بعد أحداث 11/9، لم يعد بإمكان
السعودية القيام بأي عمل مستقل يحمل أدنى تميّزاً أو تعارضاً مع
التوجّه الأميركي، حتى في الموضوع الفلسطيني، حيث قامت السعودية
بمحاصرة حكومة حماس والشعب الفلسطيني مالياً وسياسياً، ودخلت في
معركة كسر عظم للإطاحة بالنظام السوري، كما ودخلت في معركة ضد
حزب الله وهو يخوض معركته دفاعاً عن جنوب لبنان.
هزيمة
المشروع الأميركي في العراق واضحة ولا تحتاج الى توضيح.
والسعودية لا بدّ وأنها فرحت بتلك الهزيمة وشجعت عليها بصورة من
الصور (دفع المال والمقاتلين السلفيين الى العراق) حيث أمن نظام
الحكم في المملكة أن أميركا لن تكون قادرة على تغيير نظام الحكم
السعودي لو أرادت. لكن خطأ السعودية، وربما بسبب عجزها، أنها لم
تلعب دوراً فاعلاً (ومستقلاً) في عراق ما بعد صدام حسين، واكتفت
بالتفرّج، فلما تضخم الدور الإيراني أبدت غضبها وانزعاجها، في
حين خسرت هي أوراقها القديمة وعلاقاتها المديدة مع بعض أطياف
الحكم في العراق (سنة وشيعة) وبالتالي خسرت معظم أوراقها، ومن
الجهل بمكان الإعتقاد بأن السعودية تمتلك أوراقاً قويّة في
العراق. وهنا تكمن الخسارة، فقد أمنت هزيمة أميركا إبقاء النظام
السعودي كما هو بدون تغيير وبدون ضغوط أميركية من أجل (دمقرطته)
ولكن الهزيمة أوقظت الحكومة السعودية على حقيقة أن نفوذها ضئيل
بشكل لا يتناسب مع نفوذ منافسها الإيراني، بعد أن كانت تعتقد بأن
الوجود الأميركي المباشر والمكثف في العراق لن يسمح بتمدد النفوذ
السياسي الإيراني، وفي هذا كان السعوديون على جهل وخطأ كبيرين.
الهزيمة
الأميركية الإسرائيلية في لبنان أضعفت السعودية أيضاً، ويكفي ان
نعرف ما حلّ بالفريق الحاكم الموالي للسعودية (فريق 14 آذار) فهو
في حالة دفاع عن النفس، ويحتمل أن يسقط قريباً من كرسي الحكم.
ذات الأمر يمكن قوله بالنسبة لفلسطين، فتجويع الشعب الفلسطيني
وضرب حماس ومحاصرتها، أديا الى إضعاف الدور السعودي ومصداقيته،
الأمر الذي يجعلنا نتستنج حقيقة واضحة للعيان أن الهزيمة
الأميركية في المنطقة لن تشمل اسرائيل ودول الإتحاد الأوروبي
فحسب، بل ستشمل كل القائمة (وفي رأسها) دول الإعتدال (مصر
والسعودية والأردن).
ماذا ستفعل
السعودية؟
بديهي أن
التراجع الأميركي سيكون على حساب حلفائها، بل ان الحرب
الإسرائيلية على لبنان ما كانت لتتوقف لولا ضغط الأوروبيين على
واشنطن بأن مصير حلفاء الغرب في المنطقة يتآكل بصورة كبيرة بسبب
مواقفها في تلك الحرب. وها نحن نشهد أول انعكاسات نتائج تلك
الحرب على الحكومة اللبنانية نفسها، حيث خرجت ضعيفة بهزيمة
اسرائيل وحلفائها.
السعودية ـ
حسب مقال نواف عبيد في الواشنطن بوست ـ تريد من الولايات المتحدة
الصمود في العراق وعدم الإنسحاب، لأنه يعني إعلان للهزيمة
وانتصار للقوى المعارضة لأميركا والسعودية. وتحاول السعودية أن
تقنع واشنطن هذه المرة بأن تأخذ برأيها في التريّث وعدم التراجع،
لا أن تخالف رأيها مثلما فعلت ودخلت الحرب وأسقطت صدام، خلافاً
لرغبة السعودية نفسها.
ولكن من
الواضح أن قرارات أميركا لا تصنعها السعودية. ومن الواضح أكثر ان
ما تطلبه السعودية أكبر من أن تتقبله واشنطن في ظل ظروف الهزيمة
متعددة الوجوه، خاصة بعد هزيمة الجمهوريين في الإنتخابات، وتصاعد
الضغوط في الساحة الأميركية على بوش للتعجيل بالإنسحاب. ان ما
تريده السعودية سيكون صوتاً ضعيفاً قد لا يسمع بالمرّة أمام وقع
الخسائر المستمرة في الحرب الأميركية.
وماذا اذا
لم تسمع واشنطن وجهة نظر السعودية في هذا الشأن وقررت الإنسحاب؟
إنها تهدد
بلعب دور منفرد عن واشنطن!
ولكن
السعودية الضعيفة بدعم واشنطن، هل ستكون قوية بدون ذلك الدعم؟!
وهل تستطيع
السعودية الفكاك من أسر الهزيمة الأميركية وهي التي ربطت مصير
نفوذها بالنفوذ الأميركي، وربما الإسرائيلي أيضاً، فقد أعلن قبل
أيام عن لقاء مزمع بين مسؤولين سعوديين وأيهود أولمرت؟
ولنفترض
جدلاً ان السعودية ستقوم بدور منفصل، فما هي ملامح ذلك الدور؟
هنا يجب أن
ننتبه الى حقيقة ان السعودية ستبدأ عملها أو حملتها أو سياستها
من منطقة قريبة من الصفر من حيث تكتيل الأصدقاء وصناعة أدوات
الفعل السياسي.. فقد فرطت السعودية على مدار السنوات الماضية بكل
علاقاتها مع الأطراف الفاعلة في اللعبة السياسية العراقية سواء
كانوا شيعة أو سنّة أو أكراداً، وهي على كل حال علاقات لم ترقَ
يوماً لمستوى التحالف الاستراتيجي. وهنا لا يبدو أن لديها أحداً
مستعداً للتحالف معها إلا القاعدة ونظرائها (ولكن على قاعدة
طائفية) وهذا يتطلب من السعودية خوض حملتها السياسية في العراق
على قاعدة الصراع الطائفي الشيعي السنّي الذي جربته السعودية
وعملت من أجله ونجحت أطرافها السلفية في إشعال فتيله الى أن أصبح
اليوم ما يشبه قيام حرب طائفية مفتوحة.
تلخص مقالة
نواف عبيد الخطوط العامّة للسياسة السعودية، بعد انسحاب القوات
الأميركية على النحو التالي:
ـ (تزويد
القادة العسكريين السُّنّة ـ وهم بشكل رئيسي أعضاء سابقون في
الجيش العراقي البعثي السابق، الذي يشكل القاعدة الأساسية للتمرد
ـ بأنواع الأسلحة والدعم اللوجيستي).
- (تشكيل
ألوية سُنّية جديدة لمحاربة الميليشيات المدعومة من إيران).
ـ (أن يقرر
العاهل السعودي، الملك عبدالله، أن يحاصر الدعم الإيراني
للميليشيات الشيعية من خلال سياسة نفطية، فإذا عمدت السعودية إلى
رفع الإنتاج وتخفيض سعر النفط إلى النصف، فإن المملكة تبقى قادرة
على تغطية مصروفاتها، بينما إيران التي تعاني صعوبات اقتصادية
حتى في ظل ارتفاع أسعار النفط، ستجعلها تلك السياسة النفطية غير
قادرة على دعم الميليشيات بمئات الملايين من الدولارات سنوياً).
ما بين
الأقواس هو نصوص من المقالة التي أشرنا اليها، ومثل ذلك النصوص
التالية التي تتعلق بتبرير اتخاذ مثل هذه السياسة حسب الكاتب
السعودي:
ـ داخلياً:
(أن هناك ضغطاً داخلياً قوياً للتدخل. طالبت جوقة أصوات من
السعودية بحماية السُّنّة في العراق) (كما وتطالب العشائر
السعودية الرئيسية، التي ترتبط بعلاقات تاريخية واجتماعية وطيدة
مع نظيراتها في العراق، باتخاذ إجراء. وتحظى هذه العشائر بدعم
جيل جديد من أعضاء العائلة المالكة السعودية، الذين يحتلون مناصب
حكومية استراتيجية ويتوقون لرؤية المملكة تلعب دوراً أكثر قوة في
المنطقة). والمقصود بالسنّة هنا هم السنّة العرب، ولا يشمل
السنّة الأكراد.
ـ عراقياً
وعربياً: (طلبت شخصيات عراقية عشائرية ودينية بارزة، إلى جانب
قادة مصر والأردن ودول عربية وإسلامية أخرى، من القيادة السعودية
تزويد العراقيين السُّنّة بالأسلحة والدعم المالي).
ـ إسلامياً:
حيث تقع على السعودية مسؤولية خاصة باعتبارها زعيمة العالم
السنّي، وحسب نواف عبيد: (بما أن السعودية هي موقع القوة
الاقتصادية في الشرق الأوسط، ومهد الإسلام، والقائد الفعلي
للعالم المسلم السُّنّي ـ الذي يضم 85% من مسلمي العالم ـ فإن
لديها الوسائل والمسؤولية للتدخل).
ـ على صعيد
النظام، فإن تدخل السعودية مهم لتعزيز شرعية النظام السياسي
السعودي، كما هو مهم على الصعيد الإستراتيجي: (إن البقاء في وضع
المتفرج لن يكون مقبولاً للسعودية، وسيعني غض الطرف عن مذابح
العراقيين السُّنّة التخلي عن المبادئ التي قامت عليها المملكة،
وسيؤدي ذلك إلى تقويض مصداقية السعودية في العالم السُّنّي،
وسيمثل استسلاماً لأعمال العسكرة الإيرانية في المنطقة).
السعودية:
فلتكن حرباً إقليمية، ولكن ضد إيران
يعترف
الموظف الأمني السعودي نواف عبيد، بأن هذه الإستراتيجية السعودية
التي رسمها شارحاً مبراراتها، تعني قيام حرب إقليمة، وأنها
محبّذة: (وللحقيقة فإن التدخل السعودي في المنطقة ينطوي على
مخاطر كثيرة، فقد يؤدي إلى إشعال حرب إقليمية. فلتكن: لأن نتائج
الوقوف جانباً أسوأ بكثير).
من الواضح
أن كل المقالة التي لم تُنشر بالقطع إلا بعد أخذ الإذن من (تركي
الفيصل) السفير السعودي في واشنطن، تدور حول موضوع (الحرب
الطائفية) التي لا مانع لدى السعودية من توسعتها، اذا ما فشل
الجهد الأميركي في العراق من ايقافها واعادة خارطة العراق
السياسية الى ما قبل الغزو الأميركي، وهو أمرٌ مستحيل التفكير
فيه، فضلاً عن إمكانية تطبيقه، ولو جزئياً.
المعركة من
منظار السعودية طائفية، وهي تتواصل من ايران الى غزة. من المشروع
النووي الإيراني، مروراً بالتوترات في العراق، ومحاولات اسقاط
حكومة السنيورة، الى ضرب حماس في الأرض المحتلة. وفي كل المعارك
فإن السعودية خاسرة، وتعتبر ايران رأس الحربة مثلما هي سوريا
التي فتحت السعودية لها باباً واسعاً يستهدف تغيير النظام في
دمشق، وهنا ايضاً اختارت السعودية الطريق الخطأ والزمان الخطأ.
فلا هي ولا حلفاءها الأميركيين قادرون على شنّ هجوم جديد او
افتعال حرب جديدة، وما لم تستطع اميركا فعله مع النظامين السوري
والإيراني فضلاً عن حزب الله وحماس، لا تستطيع السعودية بمفردها
القيام به.
ومن المضحك
حقاً، أن تهدد السعودية بإشعال حرب إقليمية، ضد إيران، فالسعودية
التي لم تستطع الوقوف امام قوات (اليمن الجنوبي) سابقاً، وخسرت
معارك حدودية في الثمانينيات الميلادية الماضية، هل يمكنها ـ
عقلاً ـ أن تواجه ايران؟!
بالطبع لا..
من الناحية العسكرية والسياسية.
ولكن نعم
تستطيع السعودية صناعة (شرق أوسط جديد) إذا ما أشعلتها فتنة
مذهبية. ولكن هذا لا يعني أنها ستكون الرابحة، بل قد تكون الضحية
أيضاً.
السعودية ما
انفكّت في اشعال الفتنة الطائفية في العراق. هذا ما قامت به
القاعدة. والقاعدة وان اختلفت سياسياً مع آل سعود فإنها لم تختلف
معها في الشأن العراقي بالتحديد. القاعدة نتاج فكر سعودي ـ وهابي
كما هو واضح. والوهابيون ذهبوا للقتال في العراق وكانوا عماد
الإنتحاريين في الأسواق والتجمعات.
مجلة الحجاز
19/12/2006
|