|
الدينية.
والأموال السعودية لمن هو مطلع على الشأن العراقي لم تتوقف
أيضاً، ولكن بصورة التفافية. يبرر نواف عبيد عدم دعم السعودية
العلني للحرب الطائفية في العراق على النحو التالي: أولاً: لأن
الملك عبد الله (وعد الرئيس بوش بعدم التدخل في العراق) وثانياً:
(لأنه سيكون من المستحيل التأكد من أن ميليشيات تمولها السعودية
لن تهاجم القوات الأميركية). ولهذا لم تستجب السعودية للإنخراط
في الحرب، فرفضت طلبات التدخل (ولكن ـ يضيف عبيد ـ ستتم
الاستجابة لها إذا بدأت القوات الأميركية انسحابها التدريجي من
العراق)!
فهل هو
تهديد لأميركا، أم لإيران، أم للشيعة، أم لسوريا. أم لهم كلهم؟!
ما تريد
السعودية إشعاله طائفياً يمثل لعباً بالنار. فهي تريد تكرار
تجربة الحربة العراقية ـ الإيرانية. وتريد تدمير الإقتصاد
الإيراني واقتصاد دول الأوبك بالعمل على تخفيض أسعار النفط عبر
اغراق السوق بالنفط من أجل كبح جماح النفوذ الإيراني، تماماً
مثلما فعلت من قبل في منتصف الثمانينيات الماضي لإجبار إيران على
الإستسلام في الحرب، وهو ما حدث في النهاية.
لكن في هذه
المرة، على السعودية أن تعيد حساباتها، فقد تأتيها الصورايخ
الإيرانية كرد فعل إن انتهجت تلك السياسة، فتدمر منشآتها النفطية
على الخليج، وتعيد الى الذاكرة سياسة (حرب الناقلات) الأمر الذي
سيتبعه ارتفاع اسعار النفط بدل انخفاضه. هذا اذا سلّمنا جدلاً
بأن لا تداعيات خطيرة ستنعكس على الإقتصاد السعودي في حال أُطيح
بسعر برميل النفط، وهو امر جد مشكوك فيه، خاصة وأن فورة سعر
النفط الحالية انقلبت وبالاً على المواطنين الذين خسروا معظم
مدخراتهم في انهيار (سوق الأسهم السعودي).
لماذا تريد
السعودية إشعال المنطقة بحرب طائفية
يمكن تعداد
الأسباب على النحو التالي:
أولاً ـ
السعودية تتمترس وراء الولايات المتحدة الأميركية، فإذا ما فشلت
الأخيرة في مشاريعها في المنطقة، وعجزت عن مواجهة (الهلال
الشيعي) الممتد من طهران الى غزة كما يقولون، وانسحبت أميركا
بقواتها، فإن السعودية ستبقى مكشوفة لوحدها ولا بدّ أن تقوم بعمل
(دفاعي ما) عن نفوذها. ولأن قدرتها التسليحية لا تستطيع مواجهة
ايران بالطبع، فإن الحلول الأخرى تقوم على منازلة النفوذ المعارض
في الساحات الأخرى: العراق، لبنان وسوريا وفلسطين، بوسائل التآمر
والفتنة.
ثانياً ـ إن
الموضوع الطائفي سلاح (مصنّع) بمعنى أنه متوفّر، والنفوس في
المنطقة متهيأة له، ولا يحتاج إلا الى الشرارة فقط ليتوسع ويشمل
المنطقة كلها، أو على الأقل المنطقة التي يتواجد فيها الطرفان.
والسعودية تستطيع أن تعيد لذاتها الإعتبار من خلال حشد الشارع
السنّي وراءها في تلك المعركة، رغم أنها خُذلت في حرب لبنان
الأخيرة وفشلت فيه. ولكنها قد تستطيع فعله في العراق، حيث الوضع
السياسي مختلف تماماً.
ثالثاً ـ
ليس لدى السعودية أوراقاً كثيرة تلعبها، فهي ليست الوحيدة التي
تمسك بالمال، وليست الوحيدة التي تعرف استخدامه. ولا بدّ أن
تفعّل الجزء الأيديولوجي في المعركة كما كانت تفعل دائماً.
رابعاً ـ إن
انغماس السعودية في العراق يبقي الداخل السعودي (السلفي/ الأقلوي)
ملتصقاً بالعائلة المالكة ويصرف عموم المواطنين السعوديين عن
مشاكلهم الإقتصادية الداخلية، وكذلك مشاكلهم السياسية مع نظام
الحكم الديكتاتوري نفسه. اي ان افتعال حرب مذهبية في الخارج ترص
الصفوف السلفية في الداخل خلف الحكومة وإن كانت هناك مشاكل
متوقعة الحدوث سواء في المناطق الشيعية في الشرق والجنوب وحتى في
المنطقة الغربية (الحجاز).
خامساً ـ ان
اشعال الحرب الطائفية يجعل العراق وربما لبنان مكاناً لتصفية
معارك المتخاصمين، بعيداً عن ديارهم. أي ان السعودية تريد نقل
المشاكل الى الخارج وتصديرها بدل معالجتها محليّاً.
سادساً ـ
ينبغي التأكيد أن السعودية ومن ورائها كل الدول العربية الممثلين
في الجامعة العربية فشلوا في موازنة الجهد الدبلوماسي الإيراني
على الساحة العربية، فضلاً عن غيرها من الساحات. الغيرة من ايران
ومن نفوذها، والعجز عن تقديم أداء سياسي رصين، أو انجاز علمي
مهم، يحفظ للحكام السعوديين مكانتهم في أعين شعبهم، سيؤدي بهم ـ
حتماً ـ الى تشويه الآخر طائفياً، وافتعال الحروب معه، ونقل
المعركة من اسرائيل الى إيران والشيعة عموماً، على مساحة كامل
المنطقة العربية والإسلامية.
حتى الآن لا
توجد مبررات حقيقية لأن تشعل السعودية المنطقة طائفياً وبشكل
علني، وهي تفعل ذلك دائماً بصورة من الصور عبر مذهبها المتشدد.
فمعركة ايران ليست مع السعودية بقدر ما هي مع واشنطن واسرائيل
وعلى أساس موضوع المشروع النووي. وهذا المشروع كان نتيجة للتهديد
المباشر الذي يتعرض له النظام الإيراني الخائف على وجوده على
الأقل قبل ان يتبين أن أميركا قد خسرت ورقتها في العراق. ومعركة
حزب الله ليست مع السعودية وكذلك حماس بل مع اسرائيل. ومعركة
الحكومة العراقية بغض النظر عن شكلها وسياستها ليست مع السعودية
بالرغم من ان الأخيرة توفر المبررات لمهاجمتها: (ارسال المقاتلين
وتمويل المسلحين). حتى سوريا فلا يعتقد أن لديها معركة مع
السعودية، بقدر ما لديها قضية تبحث لها عن حل بثمن سهل تستطيع أن
تسترد به الجولان (ربما بدون قتال!).
لكن
السعودية تشعر أن معركتها مع كل هؤلاء، وهي بهذا تضع لنفسها
أهدافاً أكبر من حجمها، وأكبر من طاقتها عسكرياً وسياسياً وحتى
مالياً. فالمال لوحده لا يصنع المعجزات في أوضاع الشرق الأوسط.
ومن البديهي ان مجابهة حلف (مفترض) كهذا، يتطلب قيام حلف آخر
يؤمن بـ(تطييف) المعركة في الشرق الأوسط، بدلاً من (تديينها) في
مواجهة اسرائيل. وهنا يأتي الإندهاش من مقالة الواشنطن بوست، ومن
سياسة السعودية التي أخذت بالفعل منحى (المغامرة) التي لم تكن
تفعلها فيما مضى، والذي قد يودي بها على الصعيد المحلي والدولي.
المستغربون
من السياسة (الطائشة) السعودية كثيرون، وبينهم ـ يا للعجب ـ
دبلوماسيون سعوديون. ولو كان هذا الطيش مما تتحمله الدول لهان
الأمر. في حين نجد أن طيش وصلف وغرور واشنطن أوقعها في المأزق،
شأنها في ذلك شأن إسرائيل نفسها. ولكن السعودية وبعد انكشاف كل
هذا، وهي ذات البيت الزجاجي، تريد تحقيق إنجاز كبير بعضلات واهية
وبمشاغبات بعيدة عن التفكير والتخطيط الإستراتيجيين.
ما ينبئ عنه
السلوك السعودي الآني هو أن السعودية بصدد التالي:
1 ـ إعادة
تأكيد التحالف مع الجناح الوهابي المتطرف وبالخصوص مع تيار
القاعدة. وهذا يتمّ على قاعدة (العدو المذهبي المشترك) الذي ـ
حسب المعتقدات الوهابية المدوّنة ـ أكثر خطراً من المستعمر نفسه.
هذا الأمر يعني فيما يعنيه أن الحكومة السعودية تبنّت فكر
القاعدة (بنسخته الزرقاوية) وليس العكس. فاستراتيجية الزرقاوي في
اشعال فتنة طائفية، وقد نجح في ذلك عبر المكفراتية السلفيين
السعوديين، هي ما تتبناه الحكومة السعودية، على الأقل حسب نواف
عبيد، بغض النظر عن الشواهد التي تؤيد ذلك من خلال مواقف
السعودية ومسؤوليها أنفسهم.
هنا يمكن
القول بأن القاعدة في الداخل السعودي لديها الإستعداد الكامل
والأيديولوجية المناسبة لإيقاف حملة العنف ضد نظام الحكم
السعودي، في حال استعيض عن ذلك بفتح معركة طائفية على المستوى
الداخلي أو الخارجي (العراق ولبنان بالتحديد). والحقيقة فإن
المنتديات السلفية السعودية (خاصة الساحات) كثيراً ما دعت الى
تحالف بين القاعدة ونظام الحكم السعودي على قاعدة مواجهة محاولات
تغيير نظام الحكم من قبل أميركا والعلمانيين والشيعة كما يقولون،
وعلى قاعدة مواجهة ما يسمى بالإنبعاث الشيعي وتعزيز دور المملكة
في مناطق التوتر العربية خاصة العراق، والإسلامية وخاصة
أفغانستان، مقابل النفوذ الإيراني.
لهذا، فإن
من المتوقع من مكاسب لنظام الحكم في المملكة، في حال لعب الورقة
الطائفية وبشكل مكشوف، أن ينخفض حجم التوتر بين التيار السلفي (الجهادي)
وبين الحكومة السعودية، وبالتالي فإن قاعدة جديدة للإلتقاء على
قاعدة الخصومة الطائفية ستكون الأساس في التعاطي مع الأحداث
المستقبلية محلياً وإقليمياً.
2 ـ إعادة
التوتر الداخلي على قاعدة طائفية، وهذا لن يشمل الشيعة في
المنطقة الشرقية فحسب، ولا الإسماعيليين في نجران والذين يمثلون
حسب الإحصاءات الرسمية بين 5-6% من السكان، ولكن ليشمل أيضاً
الحجاز بتياراته الدينية المختلفة. فإعادة انتاج التحالف الوهابي
ـ السعودي على قاعدة طائفية صارخة سيعزز دور السلطات السلفية في
المملكة ويرفد التيار السلفي بقوة الدولة من جديد كيما تمارس
حروبها الطائفية. ومن البديهي أن أحداً لا يمكنه إشعال فتنة
طائفية في الخارج دون أن يتوقع امتداد المعركة في الداخل، مثلما
حدث في الثمانينيات الميلادية أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
نواف عبيد
في مقالته عن الهلال الشيعي قال: (صحيح أنّ الشيعة واجهوا
تمييزاً في المنطقة بأسرها، لكن حقوقهم تتعزّز أكثر من خلال
الإصلاح السلمي). حتى الآن ليس هناك إصلاح سلمي يمكنه نزع فتيل
التطرف الوهابي الطائفي داخلياً تجاه كل الأطياف الفكرية
والمذهبية، ولا يتوقع أن يكون هناك مشروع اصلاح سلمي في المملكة
بسبب العامل الوهابي المتطرف، ولا يمكن إيجاد حلول سلمية لمشكلة
السلطة داخلياً في حال تعززت قدرات السلفيين وهم أقلية أكثر
وأكثر في جهاز الدولة.
كما حدث بعد
جهيمان، وسقوط الشاه، واحتلال افغانستان، زادت قوة السلفيين
بقرار سياسي لمواجهة تحديات خارجية بالأساس، والآن نحن على أعتاب
تكرار التجربة مرّة أخرى، ووجهتها ليس محاربة الشيوعية ولا
اسرائيل ولا أميركا المحتلة بل محاربة إيران والشيعة فحسب. الأمر
الذي يترك المملكة ساحة مفتوحة لكل التوقعات الخطيرة. ومن المرجح
أن الحروب الطائفية ستنتقل بالذات الى المنطقة الشرقية السعودية
ذات الأغلبية الشيعية، وبالتالي فإن وقع المحظور فستنمو اللغة
الإنفصالية وتتعزّز القناعة بخيارات راديكالية قد تستدعي تدخلاً
أجنبياً أميركياً أو إيرانياً أو الإثنين معاً.
3 ـ انبعاث
الدور الإقليمي على قاعدة طائفية، فالسعودية التي لا ترى الأمور
السياسية إلا بمنظار طائفي لا تستطيع الإستجابة للتحديات
السياسية إلا من خلال تلك الرؤية، أي ان استجابتها والحلول التي
تعرضها والذخائر التي بحوزتها كلها تقع في خانة الحلول الطائفية.
الرؤية الطائفية تتطلب استجابة طائفية. فإذا أضفنا الى مكانة
السعودية الدينية باعتبارها حاضناً للأماكن المقدسة فإن السعودية
لن تجد منافساً في قيادة الصراع السياسي على قاعدة طائفية من
الدول العربية الأخرى، وخاصة من حلفائها مصر والسعودية.
إذا ما قبلت
مصر والأردن العمل مع السعودية كحلف مذهبي إقليمي، فإن السعودية
ستكون القائدة (لمكانتها الطائفية ووجود المقدسات فيها) و
(لخبرتها وتمرسها في هذا النهج) و (لوجود الذخيرة الأيديولوجية
المجرّبة في السعودية وفي أراض بعيدة عن الديار) وأيضاً (لوجود
دعم لوجيستي مالي قوي وتفرعات دينية قريبة من السعودية ستشكل
أدوات الحرب القادمة).
هل تقبل مصر
(دعك من الأردن فهي تقبل) خوض صراع طائفي مكشوف وعلى مستوى عالٍ
من القبح، تكون فيه تابعاً ملحقاً للنهج السعودي، وغير مطابق
بالضرورة مع رؤيتها؟ ربما إذا لم تجد مصر هي الأخرى مخرجاً
لمشاكلها الداخلية، وحلاً لعقد توسّع نفوذها في دول الخليج على
الأقل. ولكن حتى مع خضوع مصر والأردن لمنطق حروب المحاور
الطائفية، فإن هذا لن يصنع من السعودية (قطباً أوحداً) في
السياسة الإقليمية، ولن يعيد زمان (الحقبة السعودية)، فقد ولّت
تلك الحقبة الى غير رجعة، على الأقل في المستقبل المنظور.
السعودية ليس لها
استراتيجية واضحة وبعيدة المدى، وكل ما تمتلكه ردود أفعال، ولذا
تكون المفاجآت واضحة والتغييرات سريعة وحادّة. السعودية التقطت
البعد المذهبي في الصراع القادم، ورأت أن اليمن (ذي الأغلبية
الزيدية الشيعية) قد يكون مرشحاً لتطويقها من الجنوب أيضاً، كيف
يكون ذلك واليمن كان على الدوام الحديقة الخلفية للسعودية؟
|