السعودية ـ السياسة الخارجية :

النظام السعودي وازدواجية الغياب :

  

د. مضاوي الرشيد: بعد عقود من تبوؤ مقعد الصدارة علي الاقل اعلاميا، نجد النظام السعودي خلال السنوات الماضية وخاصه بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وقد اصبح يعاني من ازدواجية الغياب، اولا علي الصعيد الاقليمي العربي ـ الاسلامي، وثانيا علي الصعيد العالمي. وبما ان هذا النظام كان يحاول جادا لعب دور المحرك للحدث والصانع له خاصة بعد تلاشي دور شرطي الخليج والذي كان يلعبه شاه ايران في السابق، نجده اليوم متقوقعا ومتخبطا في تعامله ليس فقط مع شأنه المحلي المتوتروالمحتقن بل ايضا في تعامله مع أزمات المنطقة بدءاً بالقضية الفلسطينية وانتهاء بالازمة العراقية. ونراه يظهر بين الحين والحين اما بتصريح مبتور او بمبادرات واهية تتبلور فجأة علي صفحات الجرائد وقنوات الاعلام وتتلاشي بعدها بسرعة عجيبة. اما علي الصعيد العالمي فقد حاول النظام سابقا ان يظهر بمظهر المدافع عن الاسلام والمسلمين وخاصة الاقليات الموجودة في الغرب عن طريق الهبات والصدقات والمراكز الدينية. ولكن بعد تقلص قدرة النظام علي تصدير الاموال الي الخارج والتقييد علي العمل الخيري وخاصة المصدر من السعودية وبعد الطعن المستمر في الغرب بالخطاب الديني السعودي نجد النظام وقد وصل الي طريق مسدود فــــي هذا المجال.

 

لا يستطيع النظام السعودي اليوم بشكله الحالي وتركيبته وهيكليته ان يتغلب علي ازدواجية الغياب المتمثلة بتهميشه محليا (اي عربيا واسلاميا) وعالميا. ولكنه يحاول دوما عن طريق النفط ان يذكر الجميع انه يتربع علي اكبر مخزون نفطي في العالم وربما تكون هذه الورقة الاخيرة التي يستطيع ان يلوح بها ليتذكر العالم ان هذا النظام موجود وقادر رغم مشاكله المحلية علي صعيد القيادة والمجتمع ان يسمع صوته للجميع وخاصة من يعتمد اعتمادا كليا علي النفط السعودي.

 

اسباب ازدواجية الغياب هذه والتي ظهرت بشكل واضح وجلي في الفترة الحالية انما هي محلية بنشأتها عالمية بأبعادها. محليا وعلي صعيد الداخل السعودي نجد هذا النظام يمر اليوم بمرحلة اشبه ما تكون بمرحلة تصحيحية يحاول فيها ان ينشق عن ماضيه وتراثه وايديولوجيته. وهذا يذكرنا بالحركات التصحيحية الانشقاقية التي ارتبطت بقيام الاحزاب ذات الايديولوجيات الجامدة والتي تؤدي الي ظهور انشطارات وتشظيات في الفكر والممارسة بسبب جمود القائمين عليها والمنظرين لفكرها. والنظام السعودي اليوم يتصرف وكأنه احد تلك الاحزاب في مرحلة انشطارها تحت ضغط الحركات التصحيحية، ومن الملاحظ ان الانشطار الفكري والحركة التصحيحية قد ارتبطا في الاونة الاخيرة بالعنف السياسي وما اقتحام القنصلية الامريكية في جدة الا حلقة من حلقات هذا العنف والذي هو مرتبط بالانشطار الفكري الناتج عن الحركات التصحيحية. النظام السعودي لا يستطيع عن طريق ثورة مخملية سلمية ان ينتقل من خطاب استعلائي يحتكر الدين والتفسير والحكمة والقدسية الي خطاب تنويري عصري يدعو الي حوار الحضارات وتقبل الاخر والتعددية. هذه النقلة النوعية قد اتت متأخرة والأسوأ من هذا ان النقلة تتم اليوم تحت ضغط خارجي واضح مهما حاول النظام ان يروج انه يخوض معركة تصحيحية فكرية ودينية بسبب وعيه وصحوته. كذلك يخوض النظام معركة النقلة تحت ضغط العنف الداخلي والذي وان ارتبط بتيارات معولمة الا انه نتاج محلي يعكس معطيات وواقعا ليس من السهل تحميل عبئهما علي الخارج المتربص بالنظام . ومن المعروف ان الحركات التصحيحية لم تكن يوما ما نزهة فكرية في روضة الافكار ولا عملية بسيطة تحشد لها وسائل الاعلام بل ان هذه الحركات معروفة انها تكون عادة مصطحبة بقلاقل ومطبات ومتاهات كثيرة هذا بالاضافة الي العنف والعنف المضاد. فما اسهل ان تردد وسائل الاعلام والوعظ والارشاد مقالات الحوار وحب الاخر والقبول به ولكن يبقي هذا التردد رهين الارادات الخارجية وضغط العنف المحلي. لذلك لا تزال النقلة النوعية التي يرجوها النظام مقيدة وحبيسة الواقع الذي صنعه النظام بأيديه.

 

خذ مثلا كيفية تعامل النظام مع العنف المرتبط بالتيار الجهادي. منذ بداية العمليات التفجيرية نجد النظام يكرس جهده لاستئصال الخلايا عن طريق الحل الامني وهذه ردة فعل طبيعية يقوم بها اي نظام يتعرض لضغط المتفجرات مهما كان شكله وعقيدته. فالدولة مرتبطة بتعريفها علي انها العنصر الوحيد القادر علي احتكار ممارسة العنف عن طريق اجهزتها العسكرية والامنية. ويترتب علي تعريف الدولة هذا ممارسة اي نوع من الحلول العسكرية للقضاء علي التمرد والعصيان وحتي العنف الذي تستعمله الجماعات الرافضة لسياسة الدولة ومشاريعها. ورغم ان النظام بأجهزته الحالية ما زال محتاجا لمساعدة خارجية لضبط الوضع الامني الا انه يعتقد ويؤمن بقدرته علي التصدي للهجمات المسلحة. ومما يؤكد علي استعانة النظام بالولايات المتحدة في مواجهة العنف المحلي تصريحات المسؤولين الامريكيين كتصريح سفير سابق وقوله اننا نجلس مع المسؤولين السعوديين كتفا الي كتف في مشروع الحرب علي الارهاب. مثل هذه التصريحات تشكك في مفهوم الدولة وتعريفها، وكذلك في قدرتها علي خوض معركتها التصحيحية علي الصعيدين الفكري والايديولوجي.

 

اما الحلول الاخري لمواجهة العنف والمتمثلة بتجنيد مؤسسات محلية كالمؤسسة الدينية الرسمية والصحوية التي تبلورت في التسعينات فنجدها غير قادرة علي التصدي فكريا لموجة العنف وهذا لسبب بسيط وبديهي. ان التيارات الدينية هذه المتمثلة بالمؤسسة الدينية الرسمية والصحوية والجهادية تنهل من موروث ثقافي واحد وخط تفسيري عريق في القدم كان من الخطوط الاولي التي رسمت ملامح النظام السعودي منذ نعومة اظفاره. ان اي قاريء لأدبيات التيارات الثلاثة المذكورة لن يفوته كيف انها كلها تنهل من منهل واحد وتستشهد بنفس النصوص والمراجع ولكنها اليوم تختلف في التفسير فنجد مثلا ان بعض النصوص تصبح ثانوية في خطاب ما او تفسر بطريقة مختلفة من قبل مرجع ما. وربما يعتقد البعض ان الاختلاف هو من صلب عملية التنقيح والتجديد الفكري، ولكن السؤال المطروح لماذا يا تري اصبح العنف مرافقا للصراع الفكري الحاصل اليوم بشكل واضح وجلي علي الساحة السعودية؟ ألم يتفق العلماء علي امور ثابتة ونصوص متعددة في السابق؟ ولماذا نري اليوم الاختلاف اصبح مولدا للعنف؟ ان التعددية في التفسير صفة رافقت تطور الفكر الاسلامي ولكن اليوم هذه التعددية مرتبطة في الحيز السعودي بممارسة العنف. والسبب الرئيسي هو ان النظام نفسه في ايامه الاولي استعمل العنف هذا في سبيل الحد من التعددية الفكرية والدينية واصبح استعماله امرا طبيعيا من منطلق ان الدولة هي المحتكرة الوحيدة لممارسة العنف ضد الغير. لذلك نري ان طبيعة ممارسة الحكم وفرض فكره كانت مرتبطة بعملية القهر والجبر وفي هذا الوضع لم تتطور فكرة الاختلاف وتقبلها لا فكريا ولا عمليا واليوم من اصعب ان نستنتج ان محاولات احياء الحوار وثقافته ستكون حلولا سحرية تنتج الفرد المحاور المتقبل للآخر طالما ان النظام السياسي في ممارسته ما زال يتصرف وكأنه لا يحتكر ممارسة العنف فقط بل يحتكر الفكر الافضل والاكثر اقناعا كذلك يحتكر القدرة علي انتقاء الافكار المطروحة علي الساحة. واحتكاره هذا انما يعكس اهتماماته هو وليس بالضرورة اهتمامات المجتمع. ان اي نظام سياسي يحاول دوما ان يتبني الفكر والثقافة اللذين بساعدانه علي تثبيت اقدامه وبقائه في السلطة وهذا بالفعل ما فعله النظام السعودي خلال العقود السابقة. كان هذا النظام مشجعا وممولا للفكر الذي يساعده في احتكار السلطة وطمس اي فكر يظهر من الحيز الديني او غيره والذي يزعزع قبضته علي السلطة، وربما يكون هذا هو الحل البراغماتي الذي يعكس تأرجح السياسة ومتطلباتها ولكن الحل البراغماتي هو دوما الحل الذي يعرض صاحبه للنقد والتجريح اذ انه مبني علي تناقضات ربما تسقط مصداقيته وتفضحه بسرعة غريبة.

 

اذا اردنا ان نفهم العنف الحاصل في السعودية لا بد ان نربطه بحالة الانشطار الفكري والحركة التصحيحية التي تجري في اروقة الفكر والمدعومة من النظام الذي اكتشف مؤخرا انه بحاجة الي خطاب جديد من اجل اثبات وجوده واعادة احتكاره للفكر. اذ ان هذا النظام لا يستطيع ان يتعايش مع التعددية الفكرية وخاصة تلك التي تشكك في مصداقيته ولو من بعيد وبشكل غير مباشر. فكما في السابق عندما كان النظام بحاجة لخطاب استعلائي احتكاري للفكر هو اليوم بحاجة الي خطاب اخر فرض عليه من الخارج وهو يحاول جاهدا لتنميته وتطويره. والنتيجة الحتمية لهذا التطور هي حالة ازدواجية الغياب المذكورة سابقا. اليوم لا يستطيع النظام السعودي ان يبني مصداقية علي الصعيد العربي الاسلامي ذي التعددية الفكرية من مبدأ كونه الرائد في تحديد الفكر لان المطلوب منه اليوم هو القبول بهذه التعددية وليس السيطرة عليها لصالحه. كذلك لا يستطيع هذا النظام لعب الدور العالمي الذي كان يصبو اليه وان يحتل مركزا مرموقا بين الدول علي اساس انه قادر علي صنع القرار والقيادة. لا بد لكل دور قيادي ان يتبلور تحت مظلة فكرية معينة والسؤال المطروح هل يا تري يستطيع النظام ان يسوق نفسه وكأنه النظام المشجع للتعددية والقبول بالاخر بينما هونفسه يقمع في الداخل ويستأصل اي رأي آخر؟

 

ان العالم اليوم يرصد بشكل دقيق كل ما يحصل داخليا في السعودية لذلك من الطبيعي ان تتسع الفجوة بين الخطاب الدعائي والواقع علي الارض وكذلك تتسع قدرة العالم علي تحديد هذه الفجوة والتنبه لها. وازدواجية الغياب علي الصعيد العالمي تظهر بشكل واضح في التشكيك بقدرة هذا النظام علي لعب الدور المعتدل والطرف المهم في تمرير مشاريع الخارج فبعد سقوط نظام صدام لم تعد الولايات المتحدة محتاجة للدور السعودي في تلطيف الاجواء ولعب دور الوسيط، فسياسة الولايات المتحدة واحتلال العراق الغت دور السعودية خاصة بعد ان اصبح التدخل العسكري المباشر الوسيلة الوحيدة المتبعة في تركيع الانظمة وتمرير المشاريع. اما من بقي من الانظمة الصامدة فهي اما في طور الاستقطاب او انها استقطبت بدون اعلان رسمي. غياب النظام السعودي عن هذه الحلبة يجعلنا نعتقد ان النفط قد اصبح الورقة الاخيرة المتوفرة للتغلب علي ازدواجية الغياب والتي فرضتها الظروف المحلية والانشطار الفكري الداخلي بالاضافة الي الحقبة التاريخية المتمثلة بالسيطرة المباشرة الخارجية واحتكارها هي ليس للفكر فقط بل لخيرات البلاد ومواردها وثرواتها.

 

ونستطيع ان نجزم ان النظام الامريكي وليس النظام السعودي هو من يحدد اطار الحوار ليس في المجال الفكري العربي ـ الاسلامي فقط بل في المجال الديني ايضا. لقد تطورت الامور بهذا الشكل حتي اصبحت الولايات المتحدة تقرر اي اسلام تصبو اليه واي تفسيرات واجتهادات وحتي مذاهب تمكنها من تثبيت اقدامها في المنطقة وما علي النظام السعودي وعلمائه الا ان يقدموا المطلوب وها هي دعوات الحنين الي امجاد الاندلس وعصره بدأت تتعالي. فالاصوات تنادي بالعودة الي الفكر التنويري الذي ترعرع في بلاط سلاطين الاندلس واسهم في تبلوره حشد غفير من علماء المسلمين واليهود وغيرهم ويتناسي هؤلاء المنادون ان بلاط سلاطين الاندلس يختلف اختلافا كليا عن بلاط سلاطين اليوم. فحضارة قوية في اوج عزها بالامس لا تقارن بعصر التشرذم والهزيمة وانصهار الحضارات ومنابعها في الامس كانت تحتضنه سلطة قوية وبلاط غير منشطر متقوقع ومنطو علي ذاته تهدده انفجارات وقلاقل. وشتان بين بلاط الاندلس وبلاط اليوم.

 

القدس العربي 15 / 12 / 2004

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007