السعودية ـ السياسة الخارجية :

السعودية ومعضلة قيادة العالم الاسلامي :

  

د. مضاوي الرشيد(*): قد تخيب آمال من يتطلع الي دور قيادي يلعبه النظام السعودي علي الصعيد العربي والاسلامي في زمن تتبلور فيه محاور متعددة تطمح للمنافسة وخطف الاضواء.

 

هناك تيار في العالم العربي ما زال يعلل النفس بالاحلام ويعلق الآمال علي قدرة السعودية علي تبوؤ الصدارة، اذ ان هذا التيار ينطلق من معطيات الجغرافيا كون السعودية حاضنة لمقدسات المسلمين وثروات نفطية كبيرة. فيستنتج هذا التيار ان بالسعودية امكانية تحويل حتمية الارث الديني والجغرافي والاقتصادي الي قوة قيادية فعالة علي المستوي العربي والاسلامي.

 

وبعيدا عن هذه الآمال يجب ان ننظر بعين واقعية لفرص نجاح مثل هذا الحلم في الوقت الحالي وتحت هيمنة القيادة السعودية. يجب ان نعترف ان الدور القيادي عادة يتطلب ارضية صلبة تمكنه من تفعيل الدور بعيدا عن الشعارات الارتجالية والاحلام والاماني.

 

هناك ثلاثة عوامل مرتبطة ببعضها البعض تعيق تبلور دور قيادي للسعودية بتركيبتها الحالية.

 

العامل الاول مرتبط بانعدام الخطاب السياسي المحلي الذي يؤصل فكريا لمشروع القيادة المرجوة. يتميز الخطاب السعودي بفقر فكري وعمق متميز ويخلو من الرؤية المستقبلية التي علي اساسها تتمكن السعودية من لعب دور القيادة.

 

الخطاب السياسي والذي يمكن رصده من خلال توثيق تصريحات رموز الحكم في رحلاتهم المكوكية الي عواصم عالمية وعربية واسلامية هو خطاب شعاراتي ارتجالي يدعي العقلانية والحكمة ولكنها تبدو غائبة عن الواقع، خاصة في لحظات تكثر وتتراكم فيها الازمات السياسية والدبلوماسية. من الملاحظ خلال السنوات الماضية ان مثل هذه التصريحات والتي اصبحت متداولة اعلاميا بكثرة بسبب تعدد وسائل الصحافة ومنافذها كانت دوما متضاربة ومتناقضة. ومن كثرة تناقضاتها نستطيع ان نجزم انها تدل علي عبثية واضحة وانصهار مع خطابات تصدر خارج العالم الاسلامي والعربي من قبل زعماء بنوا امجادا في دولهم علي ظهر الانتهاك الواضح والصريح لسيادة الدول العربية والاسلامية نفسها. هذا بالاضافة الي الملاسنات والعراك اللفظي الذي انخرط فيه بعض رموز الحكم مع خصومهم. خذ مثلا الملاسنات السعودية ـ العراقية او الملاسنات السعودية ـ الليبية او السعودية ـ القطرية وكلها تعكس انعدام قدرة الخطاب السياسي الدبلوماسي التعاطي مع ازمات العرب والمسلمين، الخطاب السعودي المشخصن يقابله علي الجانب الآخر الخطاب الشعاراتي المفرغ من المضمون ومثال علي ذلك التشديد علي الوحدة العربية والتضامن الاسلامي من علي منابر فقدت مصداقيتها ومؤسسات عربية وعالمية تجاوزتها المرحلة وهمشتها التغيرات الحاصلة علي الساحة. فبين التلاسن المشخصن والشعار الفارغ فقدت السعودية او بالاصح قيادتها القدرة علي طرح نفسها علي الساحة وكأنها قيادة قد تتحمل في المستقبل مسؤولية الجغرافيا المقدسة والثروة النفطية التي تمكن من لعب دور القيادة. وان صدق البعض الخطاب الشعاراتي وانبهر بأبجدياته قد يصطدم هؤلاء بحقائق الواقع علي الارض. وقفت القيادة السعودية موقف المتفرج بل حتي المساند لثلاثة مشاريع هيمنة غربية علي المنطقة اولها كانت في افغانستان وثانيها في العراق وثالثها في لبنان ناهيك عن الموقف المعطل في القضية الفلسطينية خاصة خلال السنوات الاربع الماضية. بعيدا عن الشعارات نجد حالة شلل تامة تنسف اكبر شعار تحمله القيادة السعودية.

 

تفتقد السعودية الي الفعل الذي يؤصل مصداقية الشعار او الخطاب السياسي الوحدوي.

 

العامل الثاني الذي يضمن استمرارية حالة الشلل هو انعدام الخطاب الديني المستقل والذي بدوره قد يسهل عملية القيادة علي المستوي العربي والاسلامي. شجع النظام السعودي تبلور خطاب ديني مغرق في محليته ومفرط في اقصائيته لدرجة انه قد اصبح غير قادر علي استيعاب التعددية في داخل القطر ذاته فما بالك بالتعددية التي شهدها ويشهدها العالم العربي والاسلامي. وبما ان هذا الخطاب الديني الرسمي يتحرك بتوجيهات من السلطة السياسية نجده قد سقط في متاهات الازمات العربية في كل من العراق ولبنان وفلسطين بالاضافة الي افغانستان وغيرها من البؤر المشتعلة. واظهر درجة عالية من التخبط والتي هي بالنهاية تعكس تخبط القرار السياسي وارتباط هذا القرار بالمشروع الامريكي للمنطقة بأكملها. لو كانت للسعودية مؤسسة دينية مستقلة اثبتت ان فتاواها تعتمد علي استقراء واجتهادات بعيدة عن هذا المشروع لما وصلت حالة القيادة الي هذه الدرجة من الانحدار ولاستطاعت السعودية ان تنهض بنفسها قبل ان تطمح لدور قيادي خارج حدودها.

 

العامل الثالث وربما الاهم في المعضلة السعودية هو انعدام الشخصية الكاريزماتية والتي هي ضرورة ملحة للعب دور القيادة. دون هذه الكاريزما لا تستطيع الرموز السياسية ان تحلم بدور فعال علي الصعيد الداخلي والخارجي ولا يجب ان تفهم الكاريزما علي انها دوما مرتبطة بالفتوة والشباب فكم من شيخ اثبت ان فيه روح الشباب وكم من شاب اثبت ان فيه شيخوخة الكهول، الكاريزما هي حالة وواقع مرتبط بحيوية ونضارة فكرية وليس جسدية كذلك هي حالة نفسية ومغنطيس يجذب البشر الي المركز القيادي ويجعل خطابه اسهل تقبلا واستيعابا. كذلك الكاريزما ليست دوما حالة غوغائية جماهيرية بل هي سمة ترتبط بالقدرة علي الاقناع والتجاوب السريع مع الازمات والمراحل الحرجة. واذا اخذنا عينة من رموز الحكم في السعودية فسنجد ان هذه الكاريزما غائبة تماما علي الساحة فلا فصاحة ولا قدرة علي الاقناع بل حالة خنوع وتصريحات وخطب تأتي علي استحياء ومن رؤوس مطأطئة وجفون واهية. لا توجد فتوة ولا نضارة ناهيك عن قدرة اقناع او حدة فكر.

 

هناك تراتيل روتينية تجتر من علي المنابر وفي المؤتمرات الصحافية ما ان تنشر علي صفحات الجرائد او تبث علي شاشات التلفزيونات حتي تندثر وبسرعة غريبة. لا تستطيع هذه الشخصيات تحريك الآخر او بث روح جديدة في صفوف المشاهدين والقارئين.

 

ربما هذا من تداعيات التقدم التكنولوجي والذي استطاع ان يكشف هذه الشخصيات علي حقيقتها ويظهر مدي تخلفها عن مسيرة القيادات الاخري في اصقاع العالم. ولو كان باستطاعة شركات العلاقات العامة وشركات تحسين الصورة ان تنتشل هذه القيادة من حالة التردي لكانت قد خلقت نوعا من الكاريزما ولو المزيفة لوقت قصير لكن يبدو ان الوضع قد وصل الي حالة مأساوية تستعصي علي اكبر الشركات واكثرها خبرة في تلميع الصورة. الكاريزما الغائبة عادة ما تضلل عن طريق المراسيم والطقوس والبروتوكولات والتي قد تضمن بعض الابهة والوجاهة ولكن من كثرة هذه الطقوس اصبحت هي بدورها مبتذلة ومملة تكرس حالة غياب الحيوية الفكرية ووضوح الرؤية. فمثلا طقوس قصر الاليزية الفرنسي لم تستطع ان تنتشل رمزا من رموز القيادة السعودية من مأزق المؤتمر الصحافي والمواجهة مع طيف كبير من الصحافيين في احدي الحدائق عند مدخل القصر.

 

وبانعدام الكاريزما الشخصية لم تبق الا كاريزما البترودولار لتفعل فعلها في نفوس من سال لعابه عند اول صفقة طائرات.

 

في مرحلة غياب العوامل الثلاثة التي تضمن تبلور الدور القيادي تبقي السعودية رهينة حالة الركود والخيبة.

 

هذه الحالة كفيلة بتلاشي حلم العالم العربي السني بولادة قيادة تتحمل مسؤولية الارث الديني والموقع الجغرافي والثروة النفطية. وقد حاولت القيادة السعودية ان تفعّل الثروة النفطية لكسب نوع من الاعتراف بوجودها. فهي تحاول جاهدة توزيع الاموال علي المناطق المنكوبة في العالم العربي والاسلامي بهدف التعويض عن الدور القيادي المفقود ونحن هنا لا نعترض علي اعمال الاغاثة الانسانية بل ننوه الي التحول في معني الاغاثة والذي اصبح مرتبطا بمحاولات انتشال القيادة السعودية من الفراغ. تحولت اعمال الاغاثة الي وسيلة تصلح دوما ما خربته الولايات المتحدة او اسرائيل في لبنان وفلسطين والعراق وافغانستان. فبدلا من ان يكون النفط دواء وقائيا يبعد الازمات نجده تحول بيد القيادة السعودية الي عامل اغاثة للسياسات الامريكية الفاشلة في المنطقة. فبدلا من ان يستعمل النفط قبل عمليات التدمير والقتل نجده يفعّل بعدها وبطريقة مبتذلة تدعم التوجه السعودي الرسمي وتحاول ان تجد له موقعا علي الساحات المشتعلة.

 

لن يجد العالم العربي السني في القيادة السعودية وخطابها السياسي والديني ما يحركه لقبول دور ريادي متميز بل سيجد الكثير من المعطيات التي تنفره من هذا الدور فالشارع العربي اليوم مسيس الي درجة عالية ومحتقن ضد من يعتبره المسؤول عن حالة التشرذم والانتهاك للحقوق الجماعية والفردية لذلك ليس علي القيادة السعودية بعد اليوم سوي التقوقع خلف خطابات شعاراتية تمجد ما يسمي بالوطن وعن اي وطن يتحدثون عندما يكون هذا الوطن منكوبا كغيره من المناطق المنكوبة في العالم العربي.

 

(*) كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

 

القدس العربي 14/9/2006

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007