|
المهندس زهير
العبد الجبار*: أكثر ما ميّز الموقف السعودي الأخير والذي حمّل
فيه المقاومة الإسلامية تبعات العدوان الإسرائيلي على لبنان، هو
أنه جاء صريحاً وبسرعة أذهلت المراقبين العرب والغربيين حتى
الإسرائيليين منهم. فقد كان متوقعاً أن تصدر حكومة المملكة
العربية السعودية تصريحاً «كلاسيكياً» يدين العدوان الإسرائيلي
ويناشد جميع الأطراف المعنية إلى ضبط النفس. إلا أنها -أي
المملكة- هذه المرة أبت إلا أن يكون لها حضوراً لافتاً في هذه
الأزمة بغض النظر عن ماهية أو إيجابية هذا الحضور.
عامل السرعة:
في اعتقادي أن
سرعة إصدار التصريح المذكور كان موفقاً فقد حال دون إحراجات
كثيرة كان سيقع فيها كتاب ومثقفون وصحف محلية ورسمية سعودية. إذ
أن حدثاً بمستوى العدوان الإسرائيلي على لبنان كان سيوجه الآلة
الإعلامية السعودية بشكل تلقائي ورتيب تجاه التنديد بالعدوان
والوقوف إلى جانب المقاومة. إلا أن سرعة التصريح «الصريح»، أعادت
توجيه بوصلة الصحف وضمائر الكتّاب بسرعة فاقت سرعة التصريح ذاته!
فطالعتنا أقلام «النخبة المثقفة» ومانشيتات «الصحف المحترمة»
بعناوين رنانة تمجد وتهلل لذلك التصريح وحكمته وصوابيته واستغرق
المحللون والمتخصصون في محاولات أقصى ما يمكن وصفها باليائسة في
محاولة إقناعنا عبثاً أننا أمام «تصريح المرحلة» فـ«كفانا ضحكاً
على الذقون» و«حان وقت الصراحة» و«لنضع النقاط على الحروف» إلى
آخر تلك العبارات التي متى ما استخدمت ظن مهرجوها أنهم قلبوا
الباطل حقا.
لقد أصبحنا لا
نكاد نرى صحيفة سعودية -أو محسوبة عليها- إلا وتغنت بذلك الإنجاز
والتصريح العظيم وكأنه عرس وطني وانتصار قومي يكاد يضع أقدامنا
على أعتاب تحرير جميع الأراضي العربية المغتصبة! ولا أستبعد أن
تؤلف الأغاني وتقام الاحتفالات والمهرجانات الخطابية والندوات
احتفاءً بهذا التصريح العتيد و«كل من دق طبلة قال أن قبله»...
تنابلة السلطان:
وهنا لا أريد
الوقوف كثيراً عند تحليل البيان السعودي الرسمي فالمواقف
السياسية دائماً ما يجد لها عرّابوها مخارج ومداخل تخدمها
وتلمعها. ولكن ما أثار استغرابي هم أولئك الكتّاب الذين لم يجف
بعد حبر مقالتهم التي ما فتأت تمجّد المقاومة وتتغنى بحكمتها
وصلابتها، فإذا بهم وبقدرة قادر يوجهون سهام أقلامهم إلى صدر
المقاومة وسيدها؟! وآخرين كانوا متهمين بالعقل فإذا بأقنعتهم
تتهاوى أمام أتفه اختبار ليعكس مدى الانتهازية التي انطوت عليها
ضمائرهم. أما البعض الآخر فلم يستطع الانسلاخ من سلفيته المتطرفة
التي ما انفك يحن إليها، فصب جام بلاهته وحقده على الشيعة في
موقف لم يكن يتوقع من كاتب بوزن «عبدالله بن بجاد العتيبي» حين
فقد توازنه فقال:
«دعونا نرجع قليلا
للوراء وتحديدا إلى تحذير الملك عبدالله الثاني من «تحالف
استراتيجي» يمتد من إيران إلى «حماس» في فلسطين مرورا بالعراق
وسوريا ولبنان، لقد كان ذلك التحذير استشرافا واعيا للمستقبل
القريب، وقد اتضح اليوم أن ذلك لم يكن «هلالاً» فحسب بل كان
«عقرباً سامّة» رأسها في طهران وذيلها التابع في جنوب لبنان
والضاحية الجنوبية ببيروت، وجسد تلك العقرب يمتد في المساحة فيما
بين ذلك، وهي أفعى «فارسية» بجلد «مذهبي شيعي»، هكذا تحكي
الوقائع على الأرض، واللحظة التاريخية لم تعد لحظة للمجاملات
الديبلوماسية الباردة والعبارات المغلفة بالجليد، لقد كسرت حرارة
الحماقة ونيران الحرب جليد المجاملات.» [1]
وكأن المواجهة
الآن أصبحت بين إيران والسعودية .. بين الشيعة والسنة وليست بين
لبنان وإسرائيل! ولكن:
لكل داء دواء
يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
صراحة التصريح:
غني عن القول أن
المواقف السياسية والتصريحات لا يمكن بشكل من الأشكال تنزيهها من
الخطأ واعتبارها نصاً مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، لذا فإن انتقاد تلك التصريحات أو إبداء الملاحظات عليها لا
يعد في عرف العقلاء قدحاً في الوطنية بل هو من أرقى مستويات
الحراك السياسي في أي مجتمع متحضّر. وقد يظن واهم أن الوطنية لا
تتحقق إلا إذا كنا إمّعات أو تنابلة للسلطان، وهذا ما كشفت عنه
أصوات نشاز هنا وهناك تشكك بولائنا ووطنيتنا على خلفية موقفنا
الواضح والصريح والذي لا يقل صراحة عن التصريح السعودي، بأننا مع
المقاومة الإسلامية في لبنان وندين ونحمّل العدو الصهيوني كامل
المسؤولية عن تفجر هذه الأزمة. إننا لسنا بحاجة لأن نجامل ونتملق
لنثبت وطنيتنا وولائنا لوطننا، وكأنه لزاماً علينا أن نركن
عقولنا وضمائرنا على الرف كي نكون مواطنين صالحين! لقد ولىّ عهد
«لا تفكر فهناك من يفكر عنك» فما عادت لها مكان في قواميس
الأحرار ومن يحترمون أوطانهم قبل أنفسهم.
أدرك كما
غيري أن هامش الحرية المتاح في هذه الشبكة عالٍ جداً، ولكن أعي
تماماً أن هامش الحرية بشكل عام قد يكون أضيق من أن يستوعب رأيي
في مثل هذا التصريح مهما جاهدت في تمريره بصورة متوازنة ورصينة.
وقد يكون من المناسب أن أميّز بين حقي الطبيعي في التعبير عن
رأيي وقناعتي وبين «المغامرات غير المحسوبة». ولكن يمكنني أن
أساير التصريح بصراحته بقليل من المغامرة لأقول:
في أوقات
الأزمات وكما هو بديهي كان من المؤمل من دولة بحجم المملكة
العربية السعودية ومكانتها أن تمارس دوراً أبوياً يحتضن الجميع
ويدعمهم في مواجهة العدو الصهيوني ويساعد في تقريب وجهات النظر
بين الفرقاء اللبنانيين، إلا أن العكس جاء مفاجئاً لجميع شعوب
المنطقة بتصريح عقّد المشكلة وشق ما تبقى مما يسمى بـ«وحدة الصف
العربي» وهذا ما بدا جلياً من نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب
مؤخراً في القاهرة.
إن المواقف
الصريحة ما لم تتوج بحلول عملية للأزمة فإنها قد تحسب ضرباً من
العبث السياسي وقد تتفاقم لتصبح بحد ذاتها مغامرة غير محسوبة
النتائج وتبعاتها الكارثية على الأمة العربية والإسلامية قد تفوق
بمراحل ما يعتقد من مغامرات حزب الله الذي ما تعودنا منه إلا
المغامرات المدروسة.
ختاماً
فإننا في الوقت الذي نؤمن فيه بأن التناصح بين الاخوة يعد من
القيم الإسلامية المؤكدة فإننا كذلك نؤمن بأن للتناصح شروطاً
وضوابط يكون فيها اختيار الزمان والمكان والأسلوب عوامل تحدد
نجاح عملية المناصحة من فشلها. فما كانت يوماً «انصر أخاك ظالماً
أو مظلوماً» بمعزل عن «من نصح أخاه سراً فقد زانه ومن نصح جهراً
فقد شانه».
شبكة راصد
الاخبارية 18/7/2006
|