السعودية ـ الأوضاع الداخلية :

تفاقم مشكلة التلوث في السعودية :

 

علي آل غراش: أصبحت المنطقة الشرقية بالسعودية تضيء من شعل عديدة ترى من مسافات بعيدة تفوح منها روائح كريهة وسحب سوداء وأدخنة ممزوجة بالزيت الأسود في ظل صمت الجهات المسؤولة وخشية أهل المنطقة. لكن حسين القحطاني«مسؤول في الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة» يقلل من هذه المخاوف لدى المواطنين من التلوث قائلا: إن مستوى التلوث في بلادنا لا يخيف وانه لم يصل للحد الأعلى من المستوى العالمي ويؤكد القحطاني:إن المناطق الساحلية البحرية في السعودية و خاصة المنطقة الشرقية هي الأشد تأثرا من التلوث بين المدن الأخرى نتيجة الرطوبة العالية، وكثافة المحركات، وكذلك المدن الصناعية، رغم ان الخليج العربي هو الأكثر تلوثا على المستوى العالمي.

 

يشار إلى أن معظم النفط السعودي يستخرج من حقول تقع جميعها في المنطقة الشرقية الإمارة الأكبر بين إمارات السعودية الأربع عشرة والتي تشكل 27% من مساحة المملكة وهي منطقة غنية -بالإضافة للنفط- لثروة السمكية والزراعة إذ تقع فيها اكبر واحتين في العالم واحة الأحساء والقطيف، وكذلك المدن الصناعية العديدة ومنها مدينة الجبيل الصناعية النموذجية الضخمة بالإضافة إلى وجود إدارة ومعامل شركة ارامكو الشهيرة اكبر شركة لصناعة النفط في العالم وهي الشركة المسؤولة عن استخراج وضخ وتكرير وتعبئة «إنتاج» وبيع، وكل ما يتعلق بالصناعة النفطية والغاز في المملكة.

 

وقبل 20 عاما وأكثر كانت ارامكو ومنذ تأسيسها تقوم بحرق جميع الغازات المصاحبة لعملية الإنتاج والتكرير للنفط لعدم وجود معامل أو مصانع أو فكرة لدى الشركة للاستفادة من تلك المواد الغنية معرضة المنطقة لآثار بيئية وصحية كبيرة لازالت اثارها مستمرة، و كان منظر ألسنة النيران المنتشرة في كل المنطقة «والتي تحول المنطقة إلى شبه نهار تحت سحب سوداء ملوثة» مشهدا مألوفا لمن عاش فيها تلك الفترة. ومنذ عام 1985 أصبحت ألسنة النار شيئا من الماضي إلا ما ندر نتيجة أنشاء الكثير من المصانع في مدينة الجبيل «سابك» وعبر معامل صغيرة تحويلية لدى شركة ارامكو لصناعة الكبريت التي تستفيد من تلك المواد المهمة، ولكن في هذا الفترة عادت بشكل واضح.

 

 زيادة الإنتاج

 

السبب وراء اشتعال هذه الشعل النارية يعود إلى ارتفاع معدل الإنتاج الكبير من النفط السعودي للأسواق العالمية نتيجة الطلب المتزايد والارتفاع الكبير في الأسعار مما أدى إلى أن تبذل شركة ارامكو جهد كبير للضخ من عدة حقول كانت شبه مغلقة ومنها ما تم اكتشافه حاليا مثل حقل القطيف لتغطية الطلب العالمي والاستفادة من طفرة ارتفاع الأسعار، وكانت النتيجة ارتفاع معدل الغازات المصاحبة لعملية الإنتاج بما لا تستطيع شركة سابك التحويلية ولا معامل شركة ارامكو من استيعاب تلك الكميات الكبيرة مما جعل الشركة تضطر للعودة إلى طريقة البدائية الضارة بالصحة العامة والبيئة وهي عملية الحرق.

 

 المدن الصناعية

 

والمنطقة الشرقية تستحق أن تكون عاصمة الطاقة في العالم إذ تحتوي على جميع معامل التكرير لشركة ارامكو العالمية والمصانع التحويلية في مدينة الجبيل الصناعية التي تعد اكبر مدينة صناعية في الشرق الأوسط، ويوجد بالمنطقة الشرقية اكبر عدد من المصانع بالمملكة حيث يقدر عدد المصانع فيها بأكثر من 350 مصنع، وجميع هذه المصانع تنتج أطنان كبيرة من الأدخنة والتلوث في أجواء المنطقة مما يزيد من حجم المشكلة البيئية في المنطقة.

 

ويتوقع عدد من الأكاديميين والمختصين في الطاقة أن الوضع البيئي سيزداد سوءا في الأيام المقبلة لزيادة كمية الإنتاج لتغطية الطلب العالمي ، تجدر الاشارة الى أن حقل القطيف الجديد ينتج حاليا بطاقة ومقدارها 400 ألف برميل في اليوم وسيتم في فترة قريبة ضخ ما مقداره 800 ألف برميل يوميا مما سيزيد كمية الحرق والأدخنة الضارة في ظل عدم وجود المصانع والآليات العملية للاستفادة من الغازات المصاحبة لعملية الإنتاج.

 

 الاثار السابقة

 

وأكد عدد من أهالي المنطقة أن الطفرة النفطية في السعودية كان لها دور كبير في تطور المنطقة في شتى مجالات الحياة إلا انه حدث العكس في الفترة الماضية على الصعيد البيئي والزراعي إذ انخفض معدل المياه الجوفية نتيجة استخدم شركة النفط في ضخ الحقول، وتأثر الزراعة حيث أصبح من المستحيل نمو وزراعة الأشجار التي كانت تزرع قبل ارتفاع السنة اللهب وانتشار الأدخنة الملوثة مثل الرمان والخوخ والمشمش والتين والتفاح وغيرها لدرجة أن زراعة الخضروات تتم حاليا في محميات خاصة نتيجة تلوث الجو من الأدخنة السابقة، وأشار البعض بان الأوضاع هذه المرة ستتحول إلى كارثة مستقبلية.

 

 الحياة البحرية

 

وكانت مياه الخليج قبل 30 عاما صافية لدرجة بان من ينظر إلى المياه يشاهد أرضية البحر وكانت الأسماك المتنوعة واللذيذة الطعم تصطاد بالقرب من الشواطئ والشعب المرجانية والأشجار الساحلية تنم على السيف بكثافة وكان الأطفال يمارسون اللعب على أرضية البحر في وقت الجزر أما الحال الآن فقد تغير كثيرا فالأسماك أصبحت تعيش في الأعماق وقل عددها بل بعضها انقرض وطعمها تغير، وبين الفترة والأخرى يشاهد مجموعة من السمك نافقة على الساحل بسبب تلوث البحر من تسرب النفط والغاز وما تسكبه الناقلات، وكذلك ما تقوم به الشركات النفطية من رمي المياه الملوثة الممزوجة بالنفط وخاصة في فترة تنظيف المعامل بمواد خطرة جدا، بالإضافة لدفن المناطق الساحلية لمساحات واسعة حيث أصبح التمدد العمراني على حساب البحر مما أدى لأضرار كبيرة على الحياة البحرية والقضاء على جميع الشجيرات التي تنمو على الساحل مثل القرم المهمة لنمو الربيان والأسماك، وهذا ما أدى إلى انخفاض كميات الربيان والأسماك والحياة البحرية بشكل عام.

 

الأكثر ضررا

 

جميع أهل المنطقة الشرقية متضررون من هذه الأبخرة والحرائق، ولكن الأكثر ضررا هم سكان المناطق الأقرب من مواقع ألسنة اللهب وبالذات أهالي محافظة القطيف وابقيق حيث تنتشر بين أهالي هذه المدن امراض السرطان، وأمراض الحساسية والربو والتنفسية، والأنف والأذن والحنجرة، والأمراض الجلدية، وسرطان الدم.. من جميع الشرائح والطبقات والأعمار، والأجنة في الأرحام، وكذلك الحيوانات والنبات.

 

ويقول الدكتور علي المؤمن «استشاري انف وأذن وحنجرة بمستشفى الدمام المركزي»: للمادة الدقائقية الموجودة في المشتقات النفطية particulate matter مشاكل صحية كبيرة على الصحة العامة للإنسان، لأنها قابلة للاستنشاق، وتصل إلى أعماق الرئتين لصغر حجمها، وتأثيرها على وظائف الرئة. وأثبتت الدراسات أن زيادة بسيطة في المادة الدقائقية بالجو تؤدي إلى زيادة عدد الوفيات وزيادة حالات أمراض القلب والصدر، بالإضافة إلى زيادة احتياج مرضى الحساسية والربو الشعبي إلى استخدام الأدوية وزيادة حالات أمراض الربو الشعبي، والكحة الناشفة، والصداع، وتهيّج العينين والأنف والحنجرة، ومما لوحظ ازدياد حساسية الأنف والجيوب الأنفية، واحتمال إصابتهم بالمضاعفات للأمراض الجينية والسرطان. ويؤكد الدكتور المؤمن: ان التعرض المستمر المتراكم لهذه المادة يؤدي إلى زيادة الأمراض عامة وانخفاض متوسط العمر المتوقع. وتستمر المادة الدقائقية عالقة بالجو مدة طويلة وتنتقل مسافات طويلة قد تصل إلى مئات الكيلومترات.

 

ايلاف 2 / 10 / 2004

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007