السعودية ـ الأوضاع الداخلية :

 كليات أم مفارخ للبطالة..!!

 

حسن المصطفى: يوما بعد يوم تفقد كليات الآداب في مجتمعنا أهميتها. فبدلا من أن تكون بيئة علمية تخرج علماء في اللغة والاجتماع وعلم النفس والتاريخ...وباقي التخصصات ذات الصلة، نجدها تصدر للشارع العديد من الشبان العاطلين عن العمل، مفترشين الأرصفة، يسلون ذواتهم المهزومة بشرب "الأرجيلة"، وحكايا النميمة الجميلة.

منذ سنوات وخريجو كليات الآداب يعانون الأمرين، فالمشكلة ليست وليدة اللحظة، أو تشكل مشكلة فردية ومحدودة، وإنما هي معضلة بدأت في التراكم منذ سنوات مضت، دون سعي جدي لحلها، ودون التفات لها، وكأنها لا تعني أحدا ولا تشكل أي خطر مستقبلي. فأقسام الجغرافيا والتاريخ والمكتبات وعلم النفس وعلم الاجتماع والآثار، كلها تخصصت بجدارة في صنع جيل من العاطلين، جيل ما أن يذهب ليبحث عن وظيفة إلا ويقابل بوجه مكفهر، وإذا تقدم لوزارة التربية والتعليم، واجهه المسئولون هناك بقولهم ليس لك مجال هنا، نريد طلابا يحملون شهادات تربوية، ليعود أدراجه خائبا.

هذا الصيف انضم قسم اللغة العربية إلى الأقسام المنتجة للبطالة. وفوجئ المئات من خريجي هذا القسم بعدم توظيفهم، والحجة أن هناك اكتفاء في المدارس، وليس هنالك من حاجة، على العكس مما كان يشاع من أن المدارس في حاجة لمدرسي اللغة العربية ولسنوات قادمة.

إن كليات الآداب تضم نخبة من مثقفي المملكة، وشعرائها، والنقاد الذين أثروا الساحة الخليجية، أمثال د.عبد الله الغذامي، ود.معجب الزهراني، ود.منصور الحازمي....وسواهم، وإذا بهم يتحولون من حملة للثقافة، ووقود للفكر النقداني، إلى صُناع للبطالة دون سابق إنذار!.

الذي يذهب للدول المهتمة بحضارتها، يلمس اهتماما كبيرا بكليات الآداب، فهذه الكليات هي التي ستصوغ جزءا كبيرا من ثقافة هذه البلدان، وستقدم منجزها الشعري والروائي وتاريخها وآثارها إلى الآخر ليتعرف على وجه مهم منها.

لا يمكن فهم هذا القتل البطيء لكليات الآداب، ولا يمكن أن نستوعب كيف سيؤدي ذلك لسلبيات شتى، معرفية واقتصادية، فهؤلاء الخريجون ليسوا بالمهنيين ولا أصحاب حرف يدوية، وإنما شباب يجيدون البحث والتعليم والمعرفة، ما يجعلهم مهيأين للعمل في حقلهم الاختصاصي دون أي حقل عمل آخر.

الأمر الآخر المهم في الموضوع، أن هكذا تضييق على الخريجين ورفض توظيفهم سيفاقم مشكلة البطالة ويزيد من عدد العاطلين عن العمل. والعاطلون هذه المرة ليسوا من الفاشلين دراسيا، أو ممن لا يحملون شهادة يتكئون عليها، وإنما جامعيون، بذلوا جهدا في التعلم، وكافح الكثير منهم للحصول على هذه الشهادة، التي نخاف أن يجيء يوم يبصق فيها حاملوها عليها بدلا من أن يفتخروا بها.

اليوم السعودي 1 / 8 / 2004

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007