السعودية ـ الأوضاع الداخلية :

الحكم السعودي بين استحقاقات التغيير والخشية من النتائج :

 

د. سعيد الشهابي: الحكم السعودي بين استحقاقات التغيير والخشية من نتائجه في اثر التفجيرات الاخيرة التي حدثت في الرياض، ازداد الوضع غموضا ازاء مستقبل الوضع السياسي في المملكة العربية السعودية، وما اذا كان استمرار الاعمال الارهابية بالنمط الذي حدث سوف يزيد الضغط من اجل التغيير السياسي في المملكة ام يخففه. وثمة منظوران للموقف المتجدد مع تجدد اعمال العنف الموجهة ضد الولايات المتحدة الامريكية بخصوص الوضع في المملكة. اولهما يقول ان تواصل اعمال العنف التي تنسب الي تنظيم القاعدة يزيد الضغط علي الرياض لان تلك الاعمال تؤكد عددا من الامور: اولا ان القاعدة سعودية المنشأ والاستمرار وبالتالي يزداد الضغط علي الرياض للقيام باعمال محددة ضد ذلك التنظيم او الاتجاه الديني الذي ينتمي اليه. والثاني ان السلطات السعودية تتلكأ في التعاون مع السلطات الامريكية وفق ما تطلبه واشنطن. وثاني المنظورين يري ان التفجيرات الاخيرة ربما ساعدت الرياض علي اقناع واشنطن بان الطرفين مستهدفان بتلك الاعمال وان من الخطأ التساهل مع الجهات المنفذة لها، وبالتالي فلا ضرورة للضغط علي المملكة العربية السعودية للقيام باصلاحات سياسية كبيرة. ويبدو الوضع متأزما علي الاقل في الجانب النفسي الامريكي، خصوصا في ضوء مبدأ الشراكة الديمقراطية مع الشرق الاوسط الذي طرحه كولين باول، وزير الخارجية الامريكي.

ونظرا لهذه الصعوبة لا يمكن التنبؤ بمدي سهولة ما يمكن ان تقوم به واشنطن في المنطقة بعد سقوط نظام صدام حسين او صعوبته، وان كان الملف العراقي نفسه ما يزال يستعصي علي الحل.

يري بعض المحللين ان الاعمال الارهابية التي حدثت في كل من الرياض والمغرب ربما زادت الازمة تعقيدا، وان السلطات السعودية ربما اصبحت أكثر قدرة علي استثمار تفجيرات المغرب لصالحها في مطارحاتها السياسية مع الحكومة الامريكية.

فالتفجيرات التي حدثت في الرياض دفعت الحكومة السعودية لتبني منطق جديد لم يكن له آثاره الواضحة من قبل، ويعتمد هذا المنطق علي مقولة: نحن واياكم في قارب واحد لمكافحة الارهاب . فلم تتباطأ الرياض عن المقارنة بين حوادث 11 سبتمبر (2001) و12 مايو (2003) فقد كان من بين ضحايا تفجيرات الرياض الاخيرة مواطنون سعوديون، الامر الذي يوفر للجانب السعودي القدرة علي القول اننا لسنا داعمين للارهاب كما كان يقال في واشنطن، بل نحن ضحاياه ايضا . وقد عبر عن ذلك بشكل واضح وزير الخارجية، سعود الفيصل، ومستشار ولي العهد، عادل الجبير، اللذان سارعا للحديث بلهجة جديدة هدفها كسب الموقف السياسي الذي كانت حوادث 11 سبتمبر قد اثرت عليه كثيرا. فخلال العشرين شهرا الماضية تعرضت المملكة العربية السعودية لحملة واسعة في الاعلام الامريكي وعلي لسان المحللين السياسيين وبعض الرموز السياسية ايضا بتهم ايواء الارهاب تارة، وخلق الظروف المواتية للارهاب، تارة اخري، ورعايته ثالثة. وشملت الحملة جوانب عديدة من الوضع السعودي منها وضع العائلة الملكية في المجتمع وجمود نظامها السياسي وملف انتهاكات حقوق الانسان وعلاقات السعودية مع الجهات الاسلامية، بل طالت مناهج التعليم التي تقول الولايات المتحدة انها تشجع علي الارهاب. وتأكدت هذه المقولات بعد حوادث الرياض الاخيرة. ولكن الحوادث الارهابية التي حدثت في المغرب اعطت القضية بعدا آخر. فقد ذكرت التحقيقات المتوفرة حتي الآن ان الذين قاموا بتلك التفجيرات مغاربة وليسوا سعوديين.

الامريكيون من جهتهم، يسعون لتحقيق هدفين اساسيين في السعودية: الاول الفصل بين التيار السلفي والعائلة السعودية الحاكمة، اي بين الوهابية وآل سعود. وكلا الطرفين لا يريدانه. فآل سعود أسسوا وجودهم السياسي علي الدعم الديني من المؤسسة الوهابية السلفية، وبالتالي فاذا ما انحسر ذلك الغطاء اصبح وجودهم السياسي معرضا للخطر، اذ يبقي بدون مرجعية دينية يستند اليها لتبرير سياساته.

ويحتاج التيار السلفي لدعم النظام السعودي لبقائه واستمرار تأثيره في العالم. وحتي الآن ما تزال العائلة الحاكمة تعتمد علي توفر تلك الشرعية من خلال التحالف التاريخي الذي مضي عليه اكثر من مائتي عام. وفي ضوء الضغوط المسلطة علي المملكة انفتح باب محدود من الحرية لم يتوفر من قبل يتجسد في ارتفاع هامش التعبير في وسائل الاعلام الرسمية والنقاش في الاوساط المثقفة والدينية علي حد السواء. ومن غير الممكن اقدام الحكومة علي قمع التيار السلفي بالشكل الذي تريده امريكا، لان ذلك سوف يفتح عليها جبهة عريضة من المؤسسة التي تحالفت معها تاريخيا حتي اصبح بقاء اي منهما وثيق الارتباط بالآخر. وهذا لا يعني ان الحكومة لن تقوم بأي اجراء. فهي سوف تمارس قدرا من النشاط السياسي والاعلامي والامني، وسوف تعلن عن اعتقال بعض المجموعات والعثور علي بعض الاسلحة، ولكن يستبعد ان تستجيب بشكل كامل لما تريده واشنطن. اما الهدف الثاني للدبلوماسية الامريكية في المملكة فيتمثل باقناع العائلة السعودية بضرورة ادخال شيء من الاصلاحات السياسية. فقد أصبحت هناك قناعة راسخة بربط الارهاب والتطرف بحالة القمع السياسي وغياب الممارسة الديمقراطية. ويأمل الامريكيون ان تؤدي تلك الاصلاحات، اذا ما حدثت، الي قدر من الانفراج السياسي الذي يحاصر التطرف ويمنع صعوده. فتلك الظاهرة لا يمكن القضاء عليها بالقمع وحده، بل ان الانفتاح من شأنه ان يوفر وضعا اجتماعيا يشجع الاطراف المعتدلة ويعزل المتطرف منها. وتقوم هذه الاطروحة علي مبدأين متوازيين: الترغيب والترهيب، او الجزرة والعصا الغليظة. فالاصلاحات تقوي المعتدلين من اطراف المعارضة، وتضعف المتشددين. من هنا احتوي خطاب الملك فهد في افتتاح الدورة الحالية لمجلس الشوري، الذي ألقاه بالنيابة عنه الامير عبد الله، لغة جديدة ووعودا بالاصلاح والسماح بالمشاركة الشعبية. هذا التوجه لا يعجب السديريين الذين يمثل الامير نايف، وزير الداخلية احد رموزها، ولذلك حذر بعد الخطاب الملكي بيومين من اساءة فهم ما جاء فيه، الامر الذي يعني صعوبة ادخال اصلاح سياسي حقيقي في المملكة في ظل استمرار العقلية الحالية.

وقد لوحظت حالة التوتر التي تهيمن علي الخطاب السعودي في الفترة التي اعقبت تفجيرات 11 سبتمبر وتكرست بعد تفجيرات الرياض الاخيرة. وقد جاءت تفجيرات المغرب لتخفف الضغط علي السعودية ولتعطي صورة اوسع للجهات التي تمارس العنف السياسي ضد المصالح الامريكية. واهتمت وسائل الاعلام السعودية بشكل واضح بتلك التفجيرات لتظهر البعد الدولي للعنف وعدم اقتصاره علي السعودية. وحتي عندما قال دونالد رامسفلد، وزير الدفاع الامريكي، ان ايران تؤوي بعض اعضاء القاعدة، الامر الذي نفته طهران بشدة، سعي السعوديون للاستفادة منه لتأكيد قولهم بان الارهاب ظاهرة تتجاوز الحدود السعودية. وبرغم معارضتهم للحرب ضد العراق، فقد منعتهم غريزة حب البقاء من رفض الطلب الامريكي باستعمال التسهيلات التي تحتوي عليها قاعدة الامير سلطان في مجال التحكم في الطلعات الجوية. وما يزالون يسعون لارضاء الامريكيين لمنعهم من الضغط الشديد عليهم لاجراء الاصلاحات التي لا يريدونها اساسا. وقد جاء في التقرير الاخير لوزارة الخارجية الامريكية مطالبة ببعض الاجراءات من بينها الغاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي من ابرز الجهات السلفية في المملكة، ولكن السعوديين لا يريدون تجاوز الحدود في ضرب السلفيين، لان ذلك قد يدفع السلفيين لاستهداف النظام السعودي نفسه. وتخشي العائلة المالكة بشكل فعلي من توجه التيار السلفي، الذي ينتمي اليه بن لادن ويشكل فلسفة تنظيم القاعدة ، لضرب اهداف سعودية مثل المنشآت النفطية او القصور الملكية، الامر الذي قد يتحول الي هزة سياسية قد تخرج عن السيطرة. ولذلك اصبح التوتر علي اشده عندما اعلن قبل بضعة ايام عن اكتشاف خلية ارهابية تخطط لضرب مصالح نفطية علي اراضي الجزيرة العربية. وهذا تطور خطير في برنامج عمل القاعدة التي استهدفت حتي الآن المصالح الامريكية فقط ولم يستهدف الحكم السعودي مباشرة.

التصريحات السعودية وما يقابلها من تصريحات امريكية تكشف حالة من التوجس لدي الطرفين: السعودي يقاوم الضغوط الهادفة لتحديث النظام، والامريكي الذي اصبح ضحية مباشرة لتخلف الانظمة التي يدعمها. الرياض، من جانبها، تسعي لمقاومة الاصلاح او تأجيله او الغائه تماما، بينما الامريكيون حائرون ازاء ما يمكن عمله لتخفيف غلواء المجموعات المناوئة لهم في المنطقة خصوصا الجزيرة العربية. وبعد سقوط صدام حسين اصبح موقف السعوديين أضعف كثيرا، اذ اصبح واردا في القاموس السياسي الاستغناء عنهم كحلفاء لواشطن، اذا كانوا يمثلون عبئا عليها. صحيح ان الامريكيين لن يفرطوا بسهولة في الحليف السعودي، ولكن الصحيح ايضا ان ثمة ابعادا عديدة تتداخل لتجعل من ذلك الحليف احيانا مصدر ازعاج للاستراتيجية الامريكية في المنطقة. ولا شك ان محاولات الحكم السعودي تأجيل الاصلاح ليس حلا مقبولا سواء لمواطني الجزيرة العربية ام للغرب عموما الذي يعيش حالة من الازدواجية المزعجة بين شعاراته وممارساته في مجال الممارسة الديمقراطية في العالم. وهناك ظاهرة ملحوظة تتمثل بتشبث الرياض بحالة تأجيل الاستحقاقات علي الصعيد الداخلي كلما حدثت عملية تفجير علي أراضيها، بدعوي ان تلك الاعمال تؤجل الاصلاحات، في محاولة لاظهار وجود برنامج اصلاحي واضح، بينما اقتصر ذلك الاصلاح علي تشكيل مجلس الشوري قبل اكثر من عشرة اعوام، وهو مجلس لم يعد له وجود فعلي في الساحة السياسية. في هذه الاثناء يلاحظ ان المطالبة بالاصلاح اصبح ظاهرة يشارك فيها اغلب الاطراف داخل تركيبة المجتمع السعودي. نقول السعودي، برغم عدم وجود انسجام بين مكوناته البشرية من مختلف الاقاليم، فالحجازي له سعوديته المخففة جدا، وكذلك الشيعة في المنطقة الشرقية، بينما النجديون يشتكون من تهميشهم في مجال الادارة والحكم. وفيما يلتزم السلفيون، في هذه الايام، بسياسة تنكيس الرؤوس للسماح بمرور العاصفة الامريكية وامتصاص الضربة الحكومية، يتبادل علي مواقع المطالبة الاصلاحية عدد من التيارات من بينها الشيعة في المنطقة الشرقية والعلمانيون والليبراليون، وقد أصبح لكل من هذه التيارات وجوده السياسي وخطابه المتميز.

المملكة العربية السعودية تواجه وضعا صعبا هذه الايام، وهو وضع لا يمكن اصلاحه بالخطابات او الشعارات او الوعود، كما حدث في البحرين مثلا، بل يتطلب قناعة لاصحاب الشأن السياسي بضرورة الاصلاح. والا فتفكك الكيان السعودي وارد ما بين حجازيين ونجديين وشيعة وغيرهم. فالديكتاتورية توحد البلد ظاهريا، كما حدث في العراق، ومن قبله في الاتحاد السوفييتي الذي تمزق الي جمهوريات صغيرة عندما انتهي عهده. بل ان احد الكتاب البريطانيين المهتمين بالشأن السعودي يصف المملكة بانها مثل الاتحاد السوفييتي في آخر ايامه . فالحجازيون لا يجدون انفسهم ملتزمين بهوية سعودية وطنية، والنجديون مفككون الي اقصي درجة علي اسس ايديولوجية ومصلحية، وغيرهم لا يقلون عنهم تفككا وغموضا في الهوية السياسية والوطنية. تتلخص حيرة هؤلاء جميعا في صعوبة الاجابة علي السؤال: من هو السعودي؟. يضاف الي ذلك ان العامل الاقتصادي الذي لعب في السابق دور المخدر اصبح اليوم مرهقا. فقد فشلت سياسة السعودة وتضاءل الدخل الفردي كثيرا، وفشلت مناهج التعليم في تخريج الكوادر المتعلمة القادرة علي العطاء.

امام هذه الحقائق، تلوح في الافق بوادر محاولات امريكية لادخال العراق عضوا بمجلس التعاون الخليجي، الامر الذي لا يريده السعوديون ولا يشجعون عليه. وليس امام الحكم السعودي مجالات مفتوحة واسعة للبقاء بعيدا عن مستلزمات الدولة العصرية القائمة علي قدر من الديمقراطية وحقوق الانسان والابتعاد عن الديكتاتورية والتطرف. ولا شك ان تأخر الرياض في ادخال اصلاحات معقولة في نظام الحكم سوف يؤدي الي مشاكل قد تصل الي حد تفكك الكيان السياسي القائم او حتي سقوط الحكم العائلي الذي مضي عليه سبعون عاما في الحكم بدون ان يصلح نفسه بشكل مقبول لدي مواطنيه. هذه الاشكالية سوف تبقي عنصر توتر ليس بين المواطنين والحكم فحسب، بل حتي في اوساط الحكم نفسه، وفي منطقة الخليج عموما، حيث يبرر عدم الاصلاح السياسي بعدم رغبة السعودية في ذلك.

القدس العربي 28 / 5  /2003

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007