السعودية ـ الأوضاع الداخلية :

واقع السلطة القضائية :

  

أصدرت منظمة ليبرتي وثيقة الصلة بلجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في المملكة والتي أعلنت عن نفسها في الثالث من مايو الماضي، تقريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة، بعنوان (حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية) تعرضت فيه لموضوعات مختلفة ذات أهمية، وحوى التقرير معلومات تفصيلية لبعض القضايا الخطيرة والحساسة.

 

 ـ ضعف القيمة المعنوية للقضاء والقضاة

 

يجمع الحقوقيون المطالبون باصلاح النظام القضائي في المملكة بأن ما يشبه حالة الإفلاس قد أصابت الجهاز القضائي، ويجملون مظاهر تدني القيمة المعنوية للقضاء والقضاة في النقاط التالية:

 

أ ـ معاملة الدولة للقضاء كأي مرفق خدمات وليس كسلطة مستقلة، بل أن التسهيلات المالية والإدارية للقضاء تعتبر أقل كثيرا من أي وزارة خدمات، وجهاز القضاءومعه وزارة العدل هي أشد أجهزة الدولة تخلّفا في المباني والإتصلالات والتسهيلات والسكرتارية والخدمات المساندة.

 

ب ـ السماء لبعض الجهات الحكومية بممارسة اليد العليا على القضاء. فوزارة الداخلية ووزارة البلديات يحق لها أن تصدر أي تعميم وتلزم القضاة به فورا، كالتعاميم التي تصدر مطالبة بعدم النظر في شكاوى معينة مرفوعة من قبل المواطنين ضد أي من أجهزة تلك الوزارات.

 

جـ ـ تطاول بعض الحكام الإداريين "الأمراء" علي أشخاص القضاة وتهديدهم ورفع الصوت عليهم، بل وضربهم، وإصدار الأمر بسجنهم، كالذي حصل لأربعة من القضاة في منطقة خميس مشيط، حيث أمر خالد الفيصل ـ أمير أبها ـ بسجنهم حينما اختلف معهم في الحكم في قضية معينة، وبقي القضاة الأربعة عدة أيام في السجن بأمر عقابي من الأمير خالد الفيصل.

 

د ـ استثناء فنة من معينة الناس من سلطة القضاء، حيث لا يحق للقاضي إصدار أمر بإحضار أحد من أبناء الأسرة الحاكمة "آل سعود" عن طريق شرطة القضاء، بل لا بد في مثل هذه الحالة من أن يكتب القاضي لأمير المنطقة الذي يشاور الشخص المطلوب، والذي يقرر إن كان يرغب في الحضور أو لا يرغب، وبذلك لا يتمكن القضاة من إلزام هذا النوع من الخصوم بأي نوع من أنواع الحكم. ولذا يعمد كثير من القضاة الى مفاتحة الطرف المدعي بأنه لا أمل له في الحصول على أي حق من الخصم "الملكي" ناصحين المدعي بقبول أي شكل من أشكال الصلح إذا تيسر. وغالبا ما يتمثل الصلح في ضياع جزء كبير من حق الطرف المدعي الذي يضطر للرضوخ للأمر الواقع وقبول بعضا من حقه الشرعي.

 

هـ ـ اعتبار المدعي فردا من أفراد السلطة التنفيذية. ومن المفيد أن نشير إلى أنه لا يوجد نظام نيابة ونظام مدع عام في المملكة، وإنما هناك أفراد شرطة ليس لهم أي تخصص قضائي أو قانوني يطلق عليهم لقب المدعي العام في المحاكم الكبرى.

 

ولذلك أصبح من صلاحيات السلطة التنفيذية تقرير مصير ما يسمى بالحق العام بعد تنازل الأفراد في القضايا الجنائية عن الحق الخاص، وقيام السلطة التنفذية بكل سهولة بإلغاء الحق العام دون الرجوع إلى أي سلطة قضائية.

 

 

تحجيم القضاء

 

يمكن إيجاز أهم مظاهر تحجيم القضاء وتقليص فاعليته في النقاط التالية:

 

أ ـ منع المحاكم بصورة مطلقة من النظر في دعاوى معينة، وهي قضايا ما بات النظام يصنفها على أنخا من قضايا السيادة. والمقصود بالسيادة هنا سيادة الدولة، ولقد أبقت الدولة مفهوم السيادة غامضا غير مفسّر إمعانا في تحجيم القضاء، ولذا فإن السلطة التنفيذية توسع هذا المفهوم عند الحاجة وتأمر القضاة بعدم النظر في قضايا معينة بحجة أنها من أعمال السيادة كما هو الحال في قضايا المباحث والجوازات وغيرها.

 

ب ـ عدم قبول بعض الدعاوى إلا بإذن، وهي دون الصنف السابق حيث يسمح للمحاكم النظر فيها بعد استئذان الملك أو وزير الداخلية أو الإمارة، وفي بعض الأحيان استئذان وزارة البلديات، ومن أمثلة ذلك منع النظر في إثبات الإعسار التجاري، وإعسار الأفراد إلا بإذن الإمارة، وفي توثيق العقارات إلا بإذن وزارة البلديات، وفي قضايا الديات إذا كان المتسبب أجنبيا إلا بإذن وزارة الداخلية.

 

جـ ـ تمييع أو تجميد بعض الدعاو بحجة عدم التخصص، ويعتبر عدم التخصص حيلة سهلة للسلطة التنفيذية لسحب أي قضية من أي جهة وتجميدها أو تحويلها لجهة أخرى. والغريب في الأمر أن الذي يحدد عدم التخصص ليس محكمة إدارة أو ما يشابهها بل تحدده السلطة، التنفيذية، ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك قضية الكعكي المشهورة التي قرر الديوان الملكي سحبها من المحكمة وتجميدها بدعوى عدم التخصص.

 

د ـ هناك دعاوى لا يمكن إلزام الخصم بالحضور فيها حيث لا يمكن إحضار فئة معينة حتى لو قبلت الدعوة، وبذلك يمكن للقضية أن تبقى سنين طويلة دون حسم بسبب مما طلة الخصم المتنفذ.

 

هـ ـ ثمة دعاوى لا يستطيع القاضي أن يحكم فيها، ومن أبسط الأمثلة على ذلك أن تكون المعلومات ناقصة ولا يستطيع القاضي استكمالها غالبا بسبب وجود المعلومات الضرورية لد المباحث أو المخابرات أو دائرة الجوازات حيث يحق لهذه الدوائر أن ترفض تزويد القضاة بالمعلومات بحجة أنها من اسرار الدولة، وحينئذ لا يستطيع القاضي إلزامها بالإفادة.

 

و ـ وثمة دعاوى لا يصدق على تنفيذها، ففي المملكة لا يعتبر قضاء القاضي نافذا في قضية ما، كما هو الحال في دول العالم الأخرى. إذ لا يمكن تنفيذ أمر القاضي في المملكة إلا بمصادقة حاكم المنطقة الإداري "الأمير" أو مصادقة الملك، وكل ما يحتاجه الأمير أو الملك لتجميد أمر القاضي هو عدم التصديق على تنفيذ الحكم فتجمد القضية الى أجل غير مسمى.

 

رابعا: التدخل في القضاء

 

تقوم السلطة التنفيذية بالتدخل في القضاء إما بطريقة نظامية عبر اللوائح والنظم التي تبيح ذلك، أو عبر الأشكال المختلفة من الضغط كترهيب القضاة أو ترغيبهم للتدخل مباشرة في قراراتهم الإدارية. ويمكن تفصيل التدخل على النحو التالي:

 

أ ـ التدخل في تعيين القضاة: يعتبر مجلس القضاء الأعلى أعلى هيئة قضائية في البلاد، وهذا المجلس هو الذي يعين القضاة ويعزلهم، ولكن المجلس نفسه بكافة أعضائه هو من صلاحيات الملك الذي يعين رئيسه، ولذل فتعيين القضاة هو حتما من الصلاحيات المطلقة للجهاز التنفيذي.

 

ب ـ التدخل في تعيين رؤساء المحاكم: لكل منطقة من مناطق المملكة محاكم، وتنحصر صلاحيات رئيس المحاكم في قبول ورد الدعاوى وتوزيعها إلى القضاة أو رفعها الى قضاة التمييز "الإستئاف"، ولا يعين رئيس محكمة إلا بعد استشارة أمير المنطقة فهو مسؤول الجهاز التنفيذي. وقد أدّى 1ذلك الى وجود رؤساء محاكم يعتبرون بمثابة خدم للأمراء في مناطقهم مثل رؤساء محاكم مناطق أبها والرياض والمنطقة الشرفقية، الذين اشتهر عنهم أنهم لا يمكن أن يتصرفوا إلا بموافقة أمير المنطقة، بل اشتهر عنهم وعن غيرهم من رؤساء المحاكم الضغط على القضاة لإصدار رسائل التأييد للدولة في كثير من المناسبات والدفاع عنها وخاصة في مناسبات تعرض النظام للنقد واستلامه عرائض المطالبة بالإصلاح. وقد بلغ الأمر بأحد رؤساء المحاكم أن حكم على الذين وقعوا مذكرة النصيحة (صدرت في يوليو 1992) بالخروج على الدولة وبأنهم مستحقون لعقوبة القتل، وشرع بعد ذلك في جميع توقيعات القضاة الذين في إدارته على فتوى بهذا المعنى.

 

جـ ـ التدخل في ترقية القضاة: تتدخل السلطة التنفيذية وكذلك أمراء المناطق في الضغط لترشيح قضاة معينين لمحكمة أمراء المناطق في الضغط لترشيح قضاة معينين لمحكمة التمييز، وأبسط مثال على ذلك ترقية أحد القضاة المشهورين بالغش والمحسوبية في منطقة الطائف المسمى "إبن مديش" إلى رتبة قاضي تمييز بضغط شخصي من الملك، لما له من جهود في تسهيل قضايا اغتصاب الأراضي للأمراء وتأييد الدولة.

 

د ـ التدخل في نقل القضاة "مكافأة أو تأديبا": يتدخل الملك وبعض حكام المناطق للضغط على مجلس القضاء الأعلى لنقل القضاة تأديبا إلى مناطق نائية، والعكس صحيح، حيث ينقل بعض القضاة من مناط نائية إلى المدن بطلب من جهات عليا.

 

هـ ـ التدخل في فصل القضاة: يفترض ألا يفصل القاضي ولا يوقف عن العمل إلا بإذن من مجلس القضاء الأعلى، ولكن حصلت حالات تدخل من جهات عليها لفصل قضاة لأسباب سياسية، منها مثلا تدخل الديوان الملكي بشكل فاضح للضغط على مجلس القضاء الأعلى في فصل الشيخ عبد المحسن العبيكان في عام 1992. كما يقوم الديوان الملكي في بعض الأحيان بإلغاء أمر الفصل الصادر من مجلس القضاء الأعلى تجاه بعض القضاة المستحقين للفصل.

 

و ـ التدخل بمنع قبول دعوى أو تمييعها: يحاول كثير من رؤوساء المحاكم المنحازين للسلطة رفض قبول أي دعوى إلا بعد تحويلها من قبل الإمارة وذلك محافظة على منزلتهم عند الأمير، ولكن حتى في الأحوال التي تقبل فيها الدعوى يأتي التوجيه من الإمارة برفض الدعوى بمبررات كثيرة منها عدم اختصاص المحكمة، ومنها الإدعاء بأن الدعوى تدخل في نطاق قضايا السيادة. ومن جهة أخرى قد تقبل الدعوى وتجمد عند رئيس المحكمة ويستمر الأخير بعد تفاهمه مع الإمارة في تسويف القضية، ويحصل العكس إذا كانت القضية لصالح أمير أو لصالح متنفذ، فيتم التفاهم بين الأمير ورئيس المحكمة بسرعة قبولها ويقوم رئيس المحكمة بمتابعتها شخصيا سعيا لإرضاء الأمير.

 

ز ـ التدخل بتحويل القضية لقاض معين: يفترض في الدعاوى المحولة إلى المحاكم أن توزع بشكل دوري على القضاة حتى لا يتم أي تفاهم مع أي قاض من قبل خصم ما، ولكن يتم تجاوز هذا النظام بسهولة عند تدخل المتنفذين، فإما أن يتم بشكل سافر، أي أن يطلب الأمير تحويل على النظام حيث يجمد رئيس المحكمة القضية عنده إلى أن يأتي دور القاضي الذي يريده الأمير، وقد يتدخل الملك بتشكيل لجنة قضائية للحكم في قضية ما ويختار لها القضاة، كما حصل عند الحكم في قضية حرق محلات الفيديو وفي قضية بعض المتنفذين الذين سرقوا ألف مليون ريال من وزارة الدفاع ثم اختلفوا في اقتسامها فاشتكى أحدهم على الآخرين، وعندما حوّل القاضي القضية إلى سرقة أموال الدولة، سحبت منه وحولت إلى قاض آخر.

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007