|
كتاب
"البترول والاخلاق: دراسة نقدية لاثر البترول على القيم والاخلاق
في الجزيرة العربية" الذي نقدمه على درجة كبيرة من الأهمية لأنه
يضع امام القارئ معطيات متنوعة وشاملة لجوانب ظاهرة وخافية من
الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسي في الجزيرة العربية،
ويقوم بتتبع تطور هذه الحياة وعوامل التغيير فيها من خلال
تأثيرات البترول على الأخلاق العامة للمجتمع وللافراد. أن اهمية
الكتاب تكمن في ابتداعه سوسيولوجيا مجتمع الجزيرة بعد فيضان
النفط وعلى الرغم من ان الموضوع المطروح ليس جديدا على القراء
وقد تناول مجتمع الجزيرة العديد من الباحثين، غير ان سمة هذا
الكتاب في منهجيته واسلوب تعامله مع المادة الخام، لذلك فهو
اسهام مهم في أرساء "سوسيولوجيا مجتمع النفط" كما اسلفنا.
انه كتاب
جامع شامل لايترك جانبا من المجتمع دون عرضه وتناوله. يصور
اللوحة الاجتماعية على تعدد امتثالاتها السياسية والاقتصادية
والدينية والاجتماعية ويتابع تطوراتها وتحولاتها ثم تجسيداتها
على الافراد والجماعات وما ينتج عنها من ظواهر اجتماعية تربك
النسيج الاجتماعي، وفي كل ذلك يعتمد على معطيات المادة
الاجتماعية الخام الذي يقدمها من خلال عشرات الاستشهادات
والتصريحات والفتاوى والقرارات، بحيث يترك لهذه المادة الخام
تشكيل الصورة الاجتماعية التي ارادها.
يتكون
الكتاب من سبعة فصول وخلاصة. في الفصل الأول يتناول الكاتب اسباب
الركود الاجتماعي في الجزيرة العربية فيشير إلى أن العادات
والتقاليد السائدة في الجزيرة بقيت كما هي في العسر واليسر معا
حتى مجيء البترول ولقد ساهمت العوامل الجغرافية والسكانية
والاقتصادية ووجود الاماكن المقدسة ثم فقدان السلطة المركزية
فسيطرة الحركة الدينية على ان تعزز من الشكل الاقتصادي الرعوي
للبدوي وسيادة اخلاقه وقيمه. بدأ المجتمع في التغير شيئا فشيئا
في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، فبعد ان تم توحيد الرياض
والقصيم ووادي الدواسر ونجد والاحساء والقطيف واخضاع القبائل
فسقوط امارة آل رشيد في جبل شمر، ثم ضم منطقة الحجاز واعلنت
"المملكة العربية السعودية" عام 1932، وبعدها بست سنوات بدا تدفق
البترول بحيث ارتفع دخل الملك من 100 ألف جنية عام 1913 إلى 210
آلاف عام 1923 ثم إلى 13,5 مليون دولار عام 1946 ثم قفز إلى 113
مليون دولار عام 1952 ولم يخصص الملك سوى 5 في المائة فقط من هذه
الدخول الى التعليم والصحة والمرافق الاجتماعية الأخرى، فكان
يبذر هذه الثروات على ملاذه ومفساده: كما يتناول المؤلف رسم صورة
عن مجتمع الجزيرة في فترة الانتقال. وفي الفصل الثاني يبحث
المؤلف في اثر البترول على الصعيد الانتربولوجي والمؤثرات
الاولية على المجتمع، اثر البترول على الأسرة المالكة والتبذير
والإسراف في عهد الملك عبد العزيز، ثم تبذير الملك الثاني سعود،
واخيرا يذكر المؤلف العوامل المشجعة والمغذية بشكل دائم على
دوافع التبذير والأسراف داخل هذه الأسرة الملكية. ومن مظاهر
التبذير في عصر عبد العزيز انه بمجرد ان تدفق النفط بدأ يظهر
امام شعبه الجائع باسطول كامل من سيارات الكاديلات المذهبة
الابواب في طرق ترابية لم تعبد بعد، فبنى لنفسه 42 قصرا ملكياً.
وقد ارتفع عدد سيارات الملك من 250 سيارة عام 1934 إلى الف سيارة
عام 1940، ولقد اضاف
لاسطوله هذا
عام 1950 عشرين سيارة كاديلاك خصصها لزوجاته. تزوج الملك ابن
سعود بأكثر من 160 أمرأة. أما الملك سعود فقد كان مضرب الأمثال
في التبذير والاسراف. فقد كان ينفق نصف ميزانية الدولة ولم يكن
يكفيه 75 مليون دولار سنويا في وقت لم تتجاوز موازنة وزارات
هامة: الصحة، التعليم، الزراعة مجتمعة عشرة ملايين دولار أي اقل
من سبع مصروفاته الشخصية.
وقد بنى
سعود واشترى مجموعة كبيرة من القصور نذكر منها: قصور الناصرية
وهي 24 قصرا كلفت 50 مليون دولار، القصر الاخضر في جدة بقيمة 28
مليون دولار، وتضم حديقة الملك سعود التي اطلق عليها اسم "الجنة
الصغيرة" 25 ألف مصباح كهربائي ملون في وقت كان نصف البلد محروما
من شبكة الماء والكهرباء. اشترى الامير فيصل ولي العهد قصرا في
القاهرة بـ 12 مليون دولار عام 1957. في عام 1964 خلع سعود عن
العرش وقد كلف سفره هو وابناؤه وحاشيته الميزانية 15 مليون
دولار. استقر في اليونان وكان مصدراً للعملة الصعبة للميزانية
اليونانية. تزوج سعود بأكثر من 200 أمرأة وانجب مائة واثنين كلهم
احياء ازدهرت تجارة الرقيق في عهده فأصبح سعر الفتاة في سوق
النخاسين بجدة بين الف والف ومائتي دولار وقد كان عدد الخدم
والجواري في قصره 12500 رجل وأمرأة.
وفي الفصل
الثالث يستعرض المؤلف عملية تدهور المجتمع الخلقي بأثر فيضان
النفط فيذكر كيف تم رفع رواتب موظفي الدولة من 350 ريالا شهريا
كحد ادنى إلى 1200 ريال عام 1975 ليصل عام 1981 الى 1500 ريال ثم
2000 ريال فضلا عن المخصصات. ان هذا السخاء النفطي دفع الجميع
نحو اغتنام الفرص للثراء. ولقد فتحت العديد من المكاتب لاستيراد
الايدي العاملة: فبعد ان كان في الجزيرة "خمسون كافرا" أي اجنيا
عام 1932 وصل العدد عام 1971 إلى 299242 وبعد ذلك بدأت تتدفق
مئات الالوف من الجنسين من جنوب شرق آسيا تجاوبا مع احتياجات
الطفرة النفطية. وفي الوقت نفسه بدأت تجارة التأشيارت "الفيزا"
ثم تلتها تجارة الكفالة فتجارة البطاقة الشخصية. فعن طريق توفير
الفيزا التي تبلغ في سوريا 20 الف ليرة سورية يدخل العامل إلى
الجزيرة وفيها يعمل. فاذا اراد مزاولة التجارة فهو بحاجة لكفالة
سعودية يضمنها رجل سعودي يسجل الشركة باسمه ويتقاضى دون عمل سوى
ابراز البطاقة ارباحا حققها الاجنبي. ويتطرق المؤلف بعد ذلك الى
ظواهر التخمة والاسراف في المجتمع ويضرب مثالا على ذلك عدد
السيارات الموجودة في السعودية التي تحتل ثاني دولة في العلم بعد
اميركا في هذا المجال، وقد قارن المؤلف بين السعودية وبعض الدول
العربية فوجد انه في سوريا هناك ثماني سيارات لكل الف مواطن عام
1974 وفي السعودية 100 سيارة لكل الف مواطن عام 1976 ارتفعت إلى
400 سيارة عام 1986.
في الفصل
الرابع "تفكك البنى الاجتماعية في مرحلة الفيضان" يبحث في انحسار
بعض المظاهر الاجتماعية مثل دور العزب والمجالس، واختفاء العائلة
الممتدة وعودة الزواج المبكر ورحلة البحث عن زوج.. وفي القسم
الثاني "بداية تفكك الأسرة وانحلال القيم" يدخل المؤلف في جوهر
موضوعه فيلاخظ أنه بداية من السبعينات انتشرت ظاهرة جنوح الاحداث
التي سببها ضعف مسؤولية الآباء وتشوه العلاقة العائلية وجمود
رابطة الأخوة. ففي السابق كان الطفل العربي الإسلامي يتلقى
تربيته على يد الشيخ فلان ثم الشيخ فلان واليوم على يد المربية
التايلندية فالفلبينية ثم السريلانكية. ان سفر الآباء المستمر
بحثا عن الملذات في بانكوك واوروبا وغيرها وشكوى الزوجة
وانحرافها وترك الطفل لدى المربية التي تتغير حسب مزاج الزوجة او
الزوج كل ذلك وسع من دائرة الانحراف، ورفع من نسبة الانتحار التي
لم تكن معروفة سابقا. فقد سجل عام 1982 98 حالة انتحار ثم 121
حالة عام 1983، كما انتشرت امراض نفسية كالبكاء والخوف ، ناهيك
عن الحوادث الاجرامية التي بلغت 1775 عام 1966، ثم ارتفعت بشكل
مضطرد لتصل إلى 21 الفا عام 1985. وارتفع عدد المحكومين من 5211
عام 1982 إلى 16064 عام 1983. أما نوعية التهم فالاجائب يرتكبون
الجرائم التالية: التزوير، تعاطي الخمر، المخدرات والسرقات، اما
السعوديون فيرتكبون حوادث القتل والاغتصاب وتهريب المخدرات وصنع
المسكرات! وفي هذا الصدد يذكر لها المؤلف رقما خطيرا في تجارة
المخدرات حيث ضبطت وزارة الداخلية عام 1986 خمسة وخمسين مليون
حبة مخدر وهو يقابل ما تم ضبطه في 14 دولة عربية خلال ست سنوات.
أما ماتم ضبطه خلال سبع سنوات في السعودية فهو 276 مليونا و 890
الف حبة.
وفي الفصل
الخامس يبحث المؤلف في "المرأة في المجتمع البترولي وملامح الرق
في الجزيرة" وفي السادس بحيث في "البترول والسياحة والجنس ونماذج
التبذير نذكر منها: صرف الأمير تركي بن عبد العزيز مبلغ 22 مليون
فرنك فرنسي بلعبة الروليت في ليلة واحدة من عام 1982. وفي عام
1974 كان "خادم الحرمين" الملك فهد لم يزل اميرا ووزيرا للداخلية
وقد خسر ستة ملايين دولار في لعبة قمار في نادي مونت كارلو. وقد
انفق فهد 120 مليون مارك على شراء "يخته الملكي"، وقدرت تكاليف
يخت آخر للملك فهد المسمى "عبد العزيز" بـ 140 مليون دولار،
واليخت الثالث بلغ مع ديكوره 170 مليون. وقيمة قصر الملك فهد في
فاس بالمغرب هي 50 مليون دولار، وله في المنطقة الشرقية للجزيرة
خمسة قصور ملكية، وليس هناك تقدير لقيمة قصره في جنيف ولكن
البلدية تذكر بأنه أهدى لها الارض المواجهة للقصر وقيمتها عشرات
الملايين من الدولارات! واخيرا أي عام 1989 اشترى فهد قصرا اثريا
في منطقة فرساي لا تعرف قيمته ولكن يكفي ان نعلم بأن الملك قد
اشترى معه ارضا للمرور فيها وصولاً للمطار بـ 180 مليون فرنك.
تلك هي نماذج الإسراف في عالم يموت فيه آلاف الاطفال المسلمين في
العالم جوعا.
|