|
الكاتب: إيسوبيل
كولمان - راشيل برونسون
بتاريخ:
11/12/2006
إذا كان ملك
المملكة العربية السعودية الجديد يريد أن يستأصل التطرف الإسلامي
الذي لا يزال يحرّض على العنف داخل مملكته وخارجها، عليه أن يدفع
باتجاه الإصلاحات التي ستدوم في فترة حكمه القصيرة حتماً. إنه
سباق مع الزمن. حيث أن الوقت يمر بسرعة بالنسبة لرجل في الثانية
والثمانين من عمره كالملك عبد الله.
عبر الساحل
الصحراوي للبحر الأحمر، مشروعاً عقارياً يعد الأكثر طموحاً في
الشرق الأوسط، بدأ يتشكل. وهذا المشروع التنموي الذي تبلغ كلفته
26.6 مليار دولار يتضمن فلل سكنية ممتازة، وملاعب غولف، و "جزيرة
مالية" لمكاتب أكبر المؤسسات المالية في العالم، ومدارس جديدة،
وناطحات سحاب. والشركة المطورة لهذا المشروع هي شركة إعمار
ومقرها في دبي، وتقوم بترويج المشروع- والذي يتوقع أن يجتذب
حوالي 2 مليون ساكن خلال سنوات قليلة- كبديل اجتماعي للاتفاقيات
الصارمة التي عرفت بها المملكة منذ مدة طويلة. وقدمت البروشورات
إلى المستثمرين تعرض صور النساء في الملابس القصيرة وهن يلعبن
الغولف مع الرجال، وهو شيء لم يسمع به أحد من قبل في المملكة
العربية السعودية. ولكن يبدو أن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية
لا يراد لها أن تكون شبيهة لباقي المدن في البلاد. إنها المملكة
العربية السعودية ترد على دبي- الغرب المتوحش للشرق الأوسط.
وكما يظهر
من اسمه، يحظى هذا المشروع بتأييد الملك الجديد للمملكة العربية
السعودية، الملك عبد الله بن عبد العزيز، الابن الثالث عشر لابن
سعود، مؤسس المملكة. وتعتبر مدينة الملك عبد الله الاقتصادية
أبرز مثال على جهود الملك الجديد لدفع المملكة باتجاه القرن
الحادي والعشرين. وهي أيضاً جزء هام من محاولات الحكومة لجذب
الاستثمارات الخاصة لتلبية احتياجات سكانها الذين تتزايد أعدادهم
بمعدلات متسارعة. فبالنسبة للإصلاحيين، المدينة الجديدة لا توفر
فرص العمل والاستثمارات الأجنبية الضرورية وحسب، بل تقوم بإعادة
توجيه الموارد بعيداً عن مركز السلطة المحافظة في الرياض. وهناك
خمسة مدن أخرى قيد الدراسة. ولكن، على العكس من الدول العربية
الأخرى اللبرالية نسبياً، ذات العواصم المزدهرة، وإمكانيات النمو
غير المحدودة، هنالك فرصة محدودة لحدوث نمو سريع في المملكة
العربية السعودية.
والملك الذي
كان في الثانية والثمانين من عمره عندما تولى العرش في أغسطس
2005، كان في نفس سن خليفته الآن، أخيه غير الشقيق. ويعلم الملك
عبد الله أن إخوته غير الأشقاء الذين سيخلفونه على الحكم،
منخرطون بعمق في الظروف المالية والاجتماعية الحالية، ولا يبدون
رغبة تذكر في إحداث تغيير جوهري. ويعني هذا أن كفاحه من أجل
إطفاء النيران الفكرية التي ظلت تغذي التطرف الإسلامي منذ 25
عاماً، يعد سباقاً مع الزمن- أي مع ساعته البيولوجية الخاصة. خمس
سنوات بعد الحادي عشر من سبتمبر، وزعيم البلد الذي جاء منه خمسة
عشر من الخاطفين التسعة عشر، يجب أن يضع الأسس اللازمة للتغيير
الذي قد يسهم في استمرار حُكمه. والملك عبد الله، لا هو بالمتطرف
ولا بالثوري، ولكن من حقه أن يدفع البلاد إلى الأمام أثناء فترة
حكمه، والتي لا خيار لها إلاّ أن تسير قدماً في الإصلاح بعد
رحيله. فالوقت قد بدأ ينفذ.
التعامل مع
"المنحرفين"
بقدر ما
تمثل مدينة الملك عبد الله الاقتصادية رؤية الملك لما هو متاح
للجيل التالي بالمملكة العربية السعودية، إلاّ أنها أيضاً تمثل
ذكرى أليمة للفرق بين ما كان ينبغي أن تكون عليه المملكة العربية
السعودية، وبينما هي عليه الآن. وهذا البلد الذي ورثه الملك عبد
الله العام الماضي، لا يزال يواصل نزاعه مع شياطينه المحليين
الذين انتشر غضبهم ليعم كافة أرجاء العالم قبل خمس سنوات. وفي
الأحداث التي تلت الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، قطاعات واسعة من
المجتمع السعودي أنكرت وجود تواطؤ سعودي في تلك الهجمات، بما في
ذلك بعض المسؤولين الكبار من أمثال الأمير نايف وزير الداخلية.
وبالرغم من أن الكثيرين يرفضون الاعتراف بدور البلاد، إلاّ أن
تولى الملك عبد الله العرش قوبل باعتراف متزايد بأن بعض الحقائق
المحلية داخل المملكة العربية السعودية تتحمل جزء من اللوم.
وبينما
الحادي عشر من سبتمبر أقنع العالم بضرورة الإصلاحات في السعودية،
إلاّ أن موجة الإرهاب الداخلي التي اجتاحت البلاد في مايو 2003،
هي التي أيقظت المملكة العربية السعودية لتعيد النظر في رضاها عن
ذاتها. وحتى هذا الوقت، يُمسك الإرهابيين المحليين عن مهاجمة
العائلة المالكة والمواطنين السعوديين خوفاً من انضمام قبضة
العائلة المالكة إلى الأيادي الموجهة ضدهم. والآن يشير الملك عبد
الله إلى المتطرفين الدينيين في بعض الأحيان "بالفئة الضالة"،
وكذلك هو وبعض المسؤولين الكبار يشجعون علماء الدين الذين يصدرون
الفتاوى ضد الجهاد. والحكومة تقوم بنشر المتطرفين الذين تم
إصلاحهم داخل السجون السعودية "لإعادة تأهيل" وإقناع الإرهابيين
الجهاديين بالتخلي عن معتقداتهم. إنها استراتيجية مختلفة تماماً
عن استراتيجية عقد الثمانينيات، عندما كانت العائلة المالكة
تشتري تذاكر الطيران للمقاتلين الإسلاميين ليذهبوا إلى
أفغانستان.
كما أن عبد
الله أيضاً مختلف تماماً عن سلفه. ففي المملكة العربية السعودية
شخصية الملك مهمة جداً. حيث قام بتوجيه المسار بحيث ينظر فيما
يمكن قبوله أو رفضه من الإصلاحات. ولحسن الحظ ينظر إلى الملك عبد
الله على نطاق واسع بأنه زعيم تقي ومعتدل وغير فاسد، يدرك الحاجة
إلى الابتعاد عن العناصر المتشددة في الماضي القريب للمملكة
العربية السعودية. وعلى النقيض من الملك الراحل فهد، الذي حكم
البلاد من 1982 وحتى 2005، يتمتع الملك عبد الله بشعبية واسعة في
كافة أطياف المجتمع السعودي. حيث قال لنا أحد الناشطين السعوديين
أن "الشعب يحبه" ولو أقيمت انتخابات غداً "جميع السعوديين
سيصوتون لصالحه". لأن هزيمة المتشددين الذين أسهمت بلاده في
وجودهم ستكون في الغالب معركة فكرية، وإن صورة الملك عبد الله
كحاكم عادل وعاقل، مسألة مهمة لمحاربة التطرف. ولذلك، لعله الآن
القائد المناسب في الوقت المناسب. وقد أوضح هذا الملك بجلاء بأنه
جاد في معالجة الكثير من التحديات التي تواجه المملكة- ولكنه
سيفعل ذلك بحذر. وفي كلمة له أمام مجلس الشورى في إبريل 2006،
عرض الملك عبد الله أولوياته والخطوات التي يجب أن تتبع في
معالجتها. حيث قال "إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من
حولنا يتغير".
وأضاف "ومن
هنا سوف نستمر بإذن الله في عملية التطوير وتعميق الحوار الوطني
وتحرير الاقتصاد ومحاربة الفساد والقضاء على الروتين الإداري
ورفع كفاءة العمل الحكومي والاستعانة بجهود المخلصين العاملين من
رجال ونساء. وإن كل ذلك سيتم في إطار التدرج المعتدل".
إن تأكيد
الملك على التدرج أثار استياء الذين يرفضون التغيير. كما أن
الإصلاحيين الذين يرغبون في المزيد من الخطوات الجريئة والشاملة،
تزداد مخاوفهم من عدم قدرة الملك عبد الله في التحرك بسرعة
لإنقاذ المملكة العربية السعودية من مشاكلها. ومن الصعب المبالغة
في جسامة وخطورة موقف الملك عبد الله، وعلى أية حال يجب عليه أن
يوفق بين هؤلاء الإصلاحيين الذين يتطلعون إلى الأمام، والمؤسسة
الدينية المحافظة المتحصنة في البلاد، والتي تمنح الشرعية
للعائلة المالكة. وبالرغم من أن الملك لا يتبع أسلوب التغيير
الثوري، إلاّ أنه يبدو أن سيطرة الحكومة هي لصالح الإصلاحيين في
الوقت الحاضر، على الأقل أولئك الذين يريدون العمل ببطء من خلال
النظام. وقد صرح أحد أعضاء مجلس الشورى في عبارات واثقة أن قادة
عهد الإصلاح في المملكة العربية السعودية هم الملك عبد الله
"أولاً، وثانياً، وثالثاً، ورابعاً". وهذا الوقت، وقت نادر وثمين
بالنسبة إلى الإصلاحيين. ولكن من غير المعروف طول المدة الزمنية
التي ستدومها هذه اللحظة.
ومع ذلك، لا
أحد من الورثة المحتملين لعبد الله يتمتع بنفس القدر من الاحترام
أو الشعبية لدى السعوديين العاديين، ولذلك سيواجه المزيد من
القيود في قدراته لاحتواء الإسلاميين المحافظين المتشددين.
والأمير سلطان ولي العهد، معروف على نطاق واسع بأنه هوة سحيقة من
الفساد. والأمير نايف، الوريث المحتمل، والمعادي للإصلاح، يبدو
أكثر ارتياحاً للقوى الدينية الرجعية في المجتمع. والأمير سلمان،
أمير الرياض والأخ الشقيق لكل من سلطان ونايف والملك الراحل فهد،
تختلف الآراء حوله. وأحفاد مؤسس المملكة، يعتبرهم الإصلاحيون
عناصر واعدة نسبياً، ولكن من المحتمل أن يتقدم عليهم آباؤهم،
ويتراجعوا عن الكثير من الخطوات التي تمت أثناء حكم عبد الله.
والسؤال الذي يواجه الإصلاحيون اليوم وكذلك الملك هو: كيف يمكنهم
إيجاد حقائق على الأرض فيما يختص بالإصلاحات الاجتماعية
والسياسية والاقتصادية تكون ذات فوائد ومنافع واضحة وجلية لمصلحة
المملكة، والعائلة المالكة، بحيث لن يكون باستطاعة الذين سيرثون
البلاد مباشرة بعد عبد الله، أن يقوموا بوقفها عندما يستلمون
السلطة.
النفط،
والنفط في كل مكان، ولا وجود لفرص العمل
بعد أن
انهار البرجان، واندلعت النيران، تغيرت الأسئلة حتماً من: ماذا
حدث، إلى لماذا حدث هذا الذي حدث؟، والأجوبة في أغلب الأحيان
كانت تنتهي "بأنهم شباب عرب غاضبون لم يجدوا أمامهم خيار آخر غير
الإرهاب". غير أن هذا الأمر لم يفت على عبد الله. وحتى لو عدنا
إلى الوراء في عام 2000، قال عبد الله وبشكل واضح في مقابلة خاصة
في الرياض، وقد كان حينها ولياً للعهد، أن "البطالة هي التحدي
رقم واحد الذي يواجه أمننا الوطني، على الرغم من حقيقة أن كلاً
من العراق وإيران كانا قريبين". أربعين في المائة من السكان تحت
سن الخامسة عشرة، ويقال أن معدل البطالة قد بلغ30% بين الرجال،
و90% بين النساء. إذاً هنالك حاجة إلى تغييرات صارمة لحماية هذا
الشباب العاطل عن العمل، وضعيف التعليم، من أن يصبح هدفاً سهلاً
للجماعات الإسلامية المتطرفة. وقال لنا أحد الناشطين في حقوق
الإنسان "لا أدري متى ستبدأ الثورة، وهي لن تحدث بسبب غياب
الديمقراطية، ولكن ستحدث لأن الناس غاضبون. فقد أعلنت الوزارة عن
إيجاد 50 وظيفة، فتقدم لها 700 شخص".
وفي الوقت
الذي تحوم فيه أسعار النفط حول 75 دولار للبرميل في وقت طباعة
هذه الورقة، من حق الملك الجديد أن يستمتع بغنائم النفط. وبعد
عقدين من الهبوط الحاد في معدل الدخل الفردي، والخزائن الحكومية
شبه المفلسة، فإن هذه الثروة ستوجِد حلاً لكثير من الحقائق
السكانية المشهورة. ولكن حتى مع ارتفاع أسعار النفط كحالها الآن،
إلاّ أن الاقتصاد لا يزال غير قادر على استيعاب الملايين من
الشباب الذين يدخلون سوق العمل. وإلحاح هذا التضخم الشبابي يحدث
بسبب الإحساس بفقدان الفرص لصالح المزيد من جيرانهم الأكثر
ذكاءً. وهنالك ظاهرة متنامية هي "حسد دبي". حيث أن التقاليد
المحافظة الجامدة للمملكة تجعلها غير قادرة على المنافسة من أجل
الحصول على نصيب من السياحة المزدهرة، ومرافق الترفيه، والبنوك،
والشركات الإعلامية في المنطقة، وهي المشكلات التي يجب معالجتها
من خلال مدينة الملك عبد الله الاقتصادية والمشاريع الأخرى التي
يجرى الإعداد لها. ويقول أحد المسؤولين البحرينيين الكبار "أغلب
البنيات التحتية الاستثمارية التي توجد في البحرين ودولة
الإمارات العربية المتحدة، كان يجب أن تكون في المملكة العربية
السعودية، لأنها في المقام الأول أكبر سوق إقليمية. ولكن المناخ
الاجتماعي المستبد والبيروقراطية الجامدة، أجبرت الشركات المالية
الكبرى على الاستقرار بالقرب من المملكة، بدلاً من أن تستقر
داخلها- مكلفة المملكة بذلك الملايين إن لم تكن المليارات من
الإيرادات التي كان يتوقع تحقيقها. وقال أحد الأمراء المتمكنين
الذي يحتمل أن يلعب دوراً في تشكيل مستقبل المملكة العربية
السعودية "لقد أصبحنا أضحوكة في العالم الإسلامي".
ورداً على
هذه التحديات، تصدر الملك عبد الله محاولات المملكة العربية
السعودية المثيرة للجدل للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية
لتشجيع المزيد من المحاسبة الاقتصادية والشفافية. وهو يشجع جهود
جديدة للخصخصة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، حتى أنه يشجع
السياحة في نطاق محدود، وهو ما يراه الوهابيون الأصوليون، بما
فيهم عدد من الخلفاء المحتملين للملك عبد الله، أمراً محرماً.
وهو أيضاً يساند "حملة السعودة "بقوة – وهو جهد يبذل لتوظيف
المزيد من المواطنين السعوديين- بالرغم من أن القطاع التجاري،
وهو قاعدة مخلصة، يعارض هذه الإجراءات.
واحتمال
اندلاع هجوم إرهابي آخر أكثر ضغطاً بسبب حالة اليأس السائدة،
والشباب العربي الذي يعاني من البطالة، مرهون بما سيتمكن الملك
عبد الله من تحقيقه على الجبهة الاقتصادية. فهذا التضخم الشبابي
لن يذهب بعيداً. فليس هنالك من مستثمر يرغب في الاستثمار في
الشرق الأوسط. ولكن طال الزمن أو قصر، فإن الملك سيتمكن من ذلك.
وسيترك وراءه جيل من الشباب الذي يحتاج إلى اهتمامه الآن.
مكانة
المرأة
إذا كانت
الأعداد المتصاعدة للشباب السعوديين الباحثين عن العمل إشارة
عاجلة لما يجب على الملك تحقيقه خلال ولايته، فإن الدور المتغير
للمرأة هو المجال الذي قل ما يجد نصيباً من الإصلاح الإيجابي،
حيث أثبت الملك رغبته في السير بالبلاد إلى الأمام. ولعله أيضاً
من أكثر المسائل حركية وإثارة للنزاع من الناحية السياسية التي
يجب على الملك عبد الله معالجتها. وفوق هذا وذاك، أدى الملك
الجديد إلى زيادة التوقعات. ولا يزال الإصلاحيون يتحدثون عن أول
رحلة للملك عبد الله إلى الخارج بعد أن أصبح ملكاً، والتي اختار
فيها بعض النساء للمشاركة في الوفد المرافق له في زيارته للصين
والهند. وفي ديسمبر الماضي، لعبت ابنته عادلة دوراً هماً في ورشة
عمل بارزة تناولت قضايا المرأة في المملكة. فقد أصبحت النساء
يحصلن على البطاقات الشخصية بشكل متزايد، وهي ضرورية لكي يعملن
بشكل مستقل إلى حد ما في المملكة. بالإضافة إلى ذلك، قام الملك
عبد الله بإعادة تنشيط النقاش الذي كان يدور حول قيادة المرأة
للسيارة، وأن برنامجاً تدريبياً يخضع للرقابة يحتمل أن يبدأ. وقد
تكون هذه تمهيد لقيادة المرأة السعودية في يوم من الأيام. وأن
القيام بسابقة معينة في المملكة العربية السعودية، مسألة ذات
مغزى من الناحية السياسة.
ومن حسن حظ
الملك عبد الله، فإن سابقة للإصلاح في قضايا المرأة –وإن كانت
محدودة- كانت قد حدثت قبل أن يتولى العرش. ومنذ أن قام الملك
فيصل بافتتاح أول مدرسة حكومية للبنات في عام 1964، قفزت نسبة
التعليم بين النساء من 2% في ذلك الوقت إلى 70% في الجيل التالي.
فكليات
البنات تكاد توجد في كل مدينة من مدن البلاد. وهم في أغلب
الأحيان يفتخرون بالمناهج القوية بما في ذلك تعليم اللغة
الإنجليزية، والاستخدام السهل للإنترنت، وعرض الأفلام العالمية
من وقت لآخر، وهو شيء نادر في بلد يمنع إنشاء دور السينما. وفي
بلد عرف بنظامه التعليمي الضعيف، فإن خريجي هذه المدارس تستوعبهم
الشركات الأجنبية التي تبحث بلهفة عن السعوديين المؤهلين
لتوظيفهم.
وبالنسبة
للملك عبد الله، فإن مساندة حقوق المرأة في المملكة العربية
السعودية مسألة مهمة لإرضاء الإصلاحيين، وتحسين الحالة
الاقتصادية. ولكن المعارضة التي تواجه هذه التطورات لا تزال
قوية. فالمحافظون الذين يهيمنون على مؤسسات البلاد يجدون أسباب
فنية لعدم معارضتهم للسابقة الماضية. إن إيجاد فرص للنساء في سوق
العمل والمؤسسات التعليمية، يمكن أن يعد من الإجراءات التي يقوم
الملك عبد الله باتخاذها للتغلب على رجال الدين المحافظين
الأقوياء، الذين كانت لهم اليد العليا طيلة فترة العقدين ونصف
الماضية.
اختبار
الأساسيات
وبالرغم من
أن التغييرات المتزايدة قد تسير بالمجتمع السعودي إلى الأمام في
أغلب المجالات، فإن حل أزمة التعليم في البلاد قد لا يكون
كافياً. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كشفت الرقابة
الأمريكية على المناهج الدراسية السعودية عن حالة مزمنة من
التشجيع على الجهاد والحقد الدفين. ويؤكد المنتقدون على أنه
بالرغم من إزالة الفقرات الأكثر حدة، إلاّ أنه لا تزال هنالك
حاجة إلى المزيد من الإصلاح. وأحد المدرسين الذي اعتنق الفكر
المتطرف في وقت سابق، لديه وجهة نظر بعد أن أصبح إصلاحياً الآن،
حيث اعترف لنا بسهولة قائلاً "نعم لقد خضع المنهج الدراسي
للمراجعة. حيث قاموا بإزالة الفقرات التي تمجد القتل وتروج
للكراهية. ولكن مجرد حذف هذه الفقرات ليس كافياً. يجب أن نستبدل
الكراهية بفلسفة أخرى". وقد شكك التقرير الذي صدر مؤخراً من مركز
الحرية الدينية التابع لمؤسسة بيت الحرية، ومقره في الولايات
المتحدة، في جدوى هذه التعديلات الطفيفة. وإن المطلوب اليوم هو
إصلاح شامل للنظام التعليمي برمته. وبالرغم من أن التغيير عملية
مثيرة للنزاع، إلاّ أن بعض الإصلاحيين المبدعين يحاولون تجنب
المؤسسية التعليمية من خلال التركيز على الاستثمار في التعليم
الخاص. وهنالك خطط، يبدوا أنها تحظى بدعم الملك، تهدف لافتتاح
أربعة آلاف مدرسة خاصة ابتدائية ومتوسطة، والتي تحظى بالمزيد من
المرونة من حيث المناهج التعليمية وأساليب التدريس. وتحاول
الحكومة الآن إغراء الجامعات الأجنبية (وهي جامعات أمريكية في
الوقت الحاضر) للمجيء إلى المملكة، والبحث عن فرص في الخارج. وفي
العام الماضي وحده، أعلن الملك عبد الله عن خمسة آلاف منحة
دراسية للطلاب لتلقي تعليمهم بالجامعات الأمريكية.
وكل هذه
الجهود جديرة بالاحترام، ولكن ببساطة غير كافية لمعالجة الأزمة
المتصاعدة في التعليم داخل المملكة، حيث أن عدداً قياسياً من
التلاميذ يلتحقون بالنظام التعليمي كل عام. وبعد وقت ليس بالطويل
ربما يجد الملك عبد الله نفسه مضطراً للدخول في مواجهة مباشرة مع
رجال الدين المحافظين الذين لا يزالون يسيطرون على التعليم
الحكومي، حيث أن العدد الأكبر من التلاميذ يتلقون تعليمهم في هذا
القطاع. ومقاومة التغيير في هذا القطاع وحده يمكن أن تؤدي إلى
تقويض كافة جوانب الإصلاح الأخرى التي يؤيدها الملك.
أفضل فرصة
أخيرية
آل سعود لن
يقوموا بإلغاء معاهدتهم التاريخية مع المؤسسة الدينية. لأن شيء
كهذا كفيل بأن يقضى على إدعائهم الشرعية الداخلية. ولكن يمكنهم
إعادة تعريفها، ولعل هذا هو ما يحاول الملك عبد الله أن يفعله.
حيث أن بعض الأعضاء البارزين في العائلة الملكة لديهم موافقة من
الملك لمكافأة رجال الدين الذين يدعون إلى الإصلاح القضائي
ويشككون في مفهوم التكفير، وهو المفهوم الذي يستند إليه تنظيم
القاعدة في تبرير الكثير من العنف الذي يمارسه. ولعل هذا هو
السبب الذي دفع بعض شركات التطوير مثل شركة إعمار في مدينة الملك
عبد الله الاقتصادية وفي أماكن أخرى، إلى تخصيص بعض المساحات في
مراكز التسوق الجديدة لإنشاء قاعات للسينما في المستقبل. ولعلهم
يشعرون بأن الفرصة أصبحت مواتية لمقاومة التفسير الديني المتشدد
الذي ظل يكتم أنفاس الحياة الاجتماعية في المملكة.
والملك عبد
الله الآن يعرض فرصة على الإصلاحيين في المملكة، وإن كانت عابرة،
لإصلاح النظام غير السليم. والسنوات القليلة القادمة ستقرر ما
إذا كانت المملكة تتهيأ للانخراط في العالم الخارجي، أم أن القوى
الدينية والسياسية الرجعية لا تزال تمسك المملكة في قبضتها.
والتحديات واضحة وصعبة في ذات الوقت. والسؤال الذي يطرح نفسه
اليوم ليس حول ما إذا كان آل سعود سيبقون في السلطة، ولكنه أي
أعضاء العائلة المالكة سيحدد مستقبلها.
والآن،
ولاية الملك عبد الله هي التي تقود المملكة. وهو لديه الفرصة
لزيادة الثروة المتزايدة في البلاد، والسيولة السياسية في
المنطقة للسير باتجاه الجوانب الصعبة من عملية الإصلاح. وصلب
المشكلة هو أنه إذا سار الملك عبد الله بسرعة زائدة، فهو يواجه
خطر رد الفعل، وإذا أبطأ في المسير فلعل الوقت لا يسعفه لفعل ما
يريد. فبعد خمس سنوات من الحادي عشر من سبتمبر، الملك عبد الله
لديه فرصة مميزة ليضمن بأن شعبه لن يكون مضطراً بعد الآن ليسأل
نفسه، لماذا الكثيرين من أبنائنا أصبحوا غاضبين، وعنيفين إلى هذا
الحد. وعليه يجب أن يفعل شيئاً إذا كانت حياته الخاصة تعتمد على
ذلك- لأنه لا شك في أن حياة بلده تعتمد على هذا الأمر.
|