السعودية ـ الأوضاع الداخلية :

السعودية: مشروع قطع الألسنة الجديد :

 

د. مضاوي الرشيد: يبقي الخطاب السياسي نافذة تطل على أبجديات الفكر والممارسة السياسية ومن هنا جاء خطاب وزير الداخلية السعودي امام فعاليات ورؤوس هيئات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكرس المبدأ العام وتفاصيل الممارسات السياسية علي الارض والتي علي اساسها قامت ما سماه الامير الدولة السلفية وهو مصطلح جديد تم اختراعه مؤخرا استجابة لواقع فرضه تفكك خطابات قديمة. فلم يعرف العرب والمسلمون دولة سلفية، بل عرفوا دولا اسلامية وامبراطوريات ودويلات. ادخل وزير الداخلية هذا المصطلح الجديد بعد ان انتزعه من فكر ومنهج اسلامي ليسقطه علي دولة بدأت تفقد هويتها في خضم التحولات التي طرأت والضغوط التي يتعرض لها النظام. نقاط مهمة بدأت تتضح في سطور الخطاب الجديد هذا. من اهمها ما يلي:

 

اولا: جاء الخطاب وكأنه صرخة غريق عنده من الترسانات ما يمكنه من ان يطفو علي السطح ولكنه يئن تحت ضغط جاذبية قوية تشده الي الاسفل فبدأ يتخبط في مرحلة حاول فيها تحديد العدو او القوة التي ستنذر بانهياره. خلط وزير الداخلية عدة اوراق عندما حاول تحديد العدو الذي يستهدف الدولة السلفية فمن مستغرب عميل للخارج الي دخيل يأتي بفكر مستورد ويستغل الضيافة ليعود ويطعن بمضيفه الي تكفيريين مرورا بالسحرة والمشعوذين والذي اشاد الوزير بجهود الهيئة في محاربتهم والقضاء علي شعوذتهم ناهيك عن التجاوزات الاخلاقية التي ظهرت بشكل واضح وعلني في طول البلاد وعرضها.

 

ثانيا: بعد ان ذكر الوزير مستمعيه بعدد غير قليل من الشخصيات الطوطمية التي كان لها حسب رأيه الدور الاول والاخير في انشاء الدولة السلفية استعرض انجازاتهم الخيالية في تبلور الكيان والذي هو اليوم تحت المجهر ويبقي فاقدا للامن بمعناه الشامل. وعادة ما تقوم القبائل البدائية كتلك التي وجدت في ادغال بابو نيو غيني وعند المجموعات البشرية الابوريجينية بتذكر طوطمها والذي تعيده وتناجيه في طقوس تدور علي مدار السنة نجد ان السعودية مضطرة في خطاب وزيرها ان تستعيد ذكري الطوطم الاعظم. وكما تنتسب هذه القبائل الي طوطمها كما فعلت في استراليا وغيرها نجد ان العرب كان لهم هذا الارث الثقافي في عصر الجاهلية. اذ انهم اتخذوا اسماء بعض الحيوانات كطوطم ينتسبون اليه كبني كلب وأسد وغيرهما. نجد ان السعودية ما زالت محافظة علي هذا الارث القديم. وها هي تنسب نفسها الي طوطمها الحديث السعودي . التذكير بالطوطم بين الحين والحين من ضروريات التأكيد علي وحدة تتبلور في طقس العبادة والذكر. واليوم الخطاب السياسي احسن وسيلة لاعادة ترسيخ الايمان بالطوطم من اجل خلق وحدة والتفاف حوله في مرحلة عصيبة بدأ هذا الطوطم يتصدع تحت ضغط عدة عوامل اهمها اتساع الفجوة بين مشروع الدولة السلفية المزعومة وممارساتها علي الارض وتصدع خطابها ليس فقط تحت ضغط الخارج المتربص حسب رأي الخطيب، بل تحت ضغط تحولات اجتماعية وسياسية فكرية محلية. يستدعي هذا التصدع اعادة تكريـــس الطوطم ككيان مقدس. وهو بالضرورة تابو محرم لا يقبل اخضاعه لأي فحص عقلاني او اعادة صياغة. اذ ان اعادة الصياغة قد تنقص من قدسيته وتعرضه للتلاشي وبسرعة غريبة. يظل الطوطم محرما خارجا عن سياق المرحلة والتاريخ لا يقبل المناقشة ولا البحث حتي تبقي هالة القدسية مرسومة حوله ومنسوجة بنسيج فيه من البعد والقرب ما يمكنه من التوغل في خفايا النفس ليردعها عن التشكيك في قدسيته او طرح علامــات استفهام حوله.

 

ثالثا: ذكر الخطاب المستمعين بأسرار يعرفها فقط الخطيب وخفايا لا تصلها الا الجوقة السرية وامتنع عن الافصاح عن اسماء ومجموعات تهدد استمرارية الطوطم وقبيلته المنتسبة اليه. وهذه السرية ضرورية جدا في مرحلة تنكشف فيها اكبر الاسرار. التركيز علي حقائق خفية لا يعرفها الا ذوو الرؤية الثاقبة القريبون من حلقة تقديس الطوطم تزيد من هالة المتحدث اذ انه يبلغ مستمعيه بأنه هو وحده يمتلك مفتاح الاســـــرار والتي تفتح ابواب المعرفة والحلول وعالم الغيب الذي لا يصله الا الاقربون العارفون بأسرار الباطن المغيب عن الجماعة والتي يطلب منها الاستمرار في العبادة والتقديس وحفظ الارث الطوطمي الكبير.

 

رابعا: بسرعة بهلوانية وصل الخطاب الي صلب الموضوع والرسالة الرئيسية الا وهي موضوع مصير المشككين بالطوطم الاعظم. سلسلة من الاجراءات هدفها استعراض العضلات وتطمين المبتهلين والمقدسين. اعلن الوزير ان هؤلاء لن يخسروا وظائفهم في عصر البطالة بل سيبقون يأمرون بطاعة الطوطم وينهون عن التشكيك به وقدسيته. ومصير من شكك وفكر وكتب محسوم اذ ان قطع الألسنة اسلوب فعال في استئصال الاصوات المتعالية في الداخل والخارج. ولا يوجد هنا استعراض لانجازات حوارات وطنية او قبول بالتعددية او عرض للافكار والاتجاهات. جاء الحل بدائيا وعفويا علي طريقة الطوطم الاعظم ذاته. فلا تجديد بالاساليب ولا اختراعات جديدة بل سلفية لا تعود الي النصوص وانما مرجعيتها الممارسة السياسية والقمعية السابقة التي انتهجها جيل قديم واثبتت فعاليتها في ترسيخ هالة الطوطم عبر العصور. ويبدو ان محدودية اساليب مستحدثة كمشاريع حوارات الشبكة العنكبوتية مثل السكينة و المناصحة قد فشلت في تثبيت الايمان من جديد بالطوطم المتصدع. اليوم ليس للرعية التي خرجت عن طوطمها وابتهلت الي طوطم آخر ربما سوي المقص والسيف البتار وقد تعيدها هذه الاساليب الي رشدها ووعيها والي المعبد المهجور. وتقع مسؤولية قطع الألسنة لاصحاب المقص والسيف بينما تتحمل الرعية مسؤولية الترويض والتدجين تحت شعار كبير الا وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا الشعار اثبت انه يمارس بانتقائية مفضوحة تستثني اصحاب الشأن والمعالي والسمو الذين يبقون خارج مفهوم الحسبة. هذا المفهوم الذي حولته ممارسات القرن العشرين الي استعراض علني لسلطة الطوطم علي رعيته وارهابها واكراهها.

 

مناجاة وزير الداخلية لفئة مهمة مكملة لعملية القطع والقص تأتي وكأنها محاولة اخيرة متخبطة تصبو الي رسم صورة لعالم فيه من قوي الشر الفتاكة ما ينخر ليس فقط جسد الطوطم بل جسد المقدسين ذاتهم.

 

يفتقد الخطاب لتعريف واضح وصريح للعدو وهذا ما يزيد من فعاليته في تضليل العقول وصرفها عن تحديد الخطر الحقيقي فكلما كثر الاعداء كلما تأصلت حالة الخوف والهرع وكلما بدا العالم وكأنه بأجمعه ينهش في الجسد الواهي عندها فقط يستطيع الرعب ان يخلق حالة خنوع تكرسها صورة الألسنة المقطوعة.

 

تحكم السعودية اليوم ليس بمؤسسات ولا ببرلمانات ولا بسيادة قانون بل هي تحكم بسلطان الخوف من مستقبل مجهول. حالة الخوف هذه كفيلة بتكريس الشلل التام والذي لا يحركه سوي الماضي عن طريق التذكير المستمر والمتكرر بالطوطم وانجازاته.

 

ويدعو الوزير رعيته الي جهاد داخلي حينما يقول لنجاهد اعداء الله هنا فأعداء الله هم الذين بيننا . وهي دعوة صريحة للقتال الداخلي فتناسي سموه من هم اعداء الله الحقيقيون ووجه دعوته الي جهاد داخلي تتصارع فيه قبيلة الطوطم مع الاعداء الذين لم يعادوا الله بل عادوا الطوطم ذاته والخلط بين اعداء الله واعداء الطوطم مهم جدا اذ انه كفيل بتجييش الجيوش الداخلية لمزيد من قطع الألسنة تحت شعار نصرة الاسلام والدولة السلفية.

 

خلاصة الموضوع في خطاب الوزير تتبلور في استعراض المنافسة بين الطوطم السعودي القديم وبعض الرموز التي تبلور فكرها في القرن العشرين. لم يستطع الوزير اخفاء حقده علي هؤلاء الناكرين لاصول الضيافة السعودية والتي بالضرورة تتطلب تقديس الطوطم وتمجيده. ولم يفهم حتي هذه اللحظة ان معادلة الضيافة مقابل الولاء قد لا تطبق بحذافيرها وقد يأتي من المعطيات ما يعطل الجزء الثاني منها كالولاء. وهنا يذكر الوزير مستمعيه باسامة بن لادن الغريب الذي اعطي الجنسية ولكنه لم يلتزم بشقي المعادلة هذا بالاضافة الي القوم الذين استضافتهم السعودية سابقا ومن ثم انقلبوا عليها. وهي اشارة مبطنة الي الاخوان المسلمين ورموزهم.

 

فحرام علي اسامة ان يستغل ثروته في ترسيخ مشروعه بينما هذا حلال علي الدولة الطوطمية. وحرام ان يتأثر احد بفكر غير فكر الطوطم ذاته. اذ ان الاحتكار من اكثر الاساليب تطورا في دولة الطوطم.

 

ومرة اخري وامام جمهور محلي يرتجف من تداعيات المرحلة المقبلة جاء الخطاب يخلط بين اطياف الامن المخترق والحلول الناقصة وجاء ليكرس منظومة قطع الألسنة ودابرها ـ الاسلوب المقدس في عملية اعادة الهيبة لطوطم يتعرض اليوم لمنافسة شديدة وتفكيك جريء من قبل اطياف ملونة ومختلفة. ويبقي سلطان الخوف خير سلاح ضد هذه الاطياف. ولا يسعنا الا ان نقول هنيئا للاطرم في بلاد قطع الالسنة.

 

القدس العربي 25/9/2006

 

 

جميع الحقوق محفوظة 2007