|
عبد السلام
بنعيسي: ُحكم على 15 سعوديا بالسجن بين شهر وستة أشهر، وبالجلد
بين 100 و250 جلدة. السبب الكامن وراء هذه الأحكام القاسية، حسب
الخبر الذي نشر في الصحافة، يتحدد في كون هؤلاء المحكوم عليهم
شاركوا في مظاهرات دعت لتنظيمها حركة معارضة إسلامية. وللتذكير،
فإن المظاهرات التي نظمت في السعودية مورس عليها تعتيم مطلق من
طرف وسائل الإعلام السعودية، وما تسرب عنها من أخبار، يفيد بأنها
(المظاهرات) مرت في جو سلمي، ولم يسفر عن تنظيمها أية اضطرابات،
أو مواجهات مع رجال الأمن. ومع ذلك تمت الاعتقالات، وصدرت
الأحكام ضد الذين شاركوا في تلك المظاهرات. هذا الخبر الذي
تناقلته وسائل الإعلام الدولية ونشرته في أنحاء العالم، يبين أن
السعودية ما زالت تعيش في عصر غير هذا العصر الذي نحن فيه. هذا
الخبر يقول، إن الإنسان في هذه المملكة ما زال يعيش، علي مستوي
ممارسة حقه في التعبير عن وجهة نظره، فــــي عصر ما قبل عصر
الحريات الفردية والجماعية التي يتمتع بها الإنسان حاليا.
الحاكمون في هذا البلد السيئ الحظ، ما زالوا يتصرفون علي أساس
انهم مفــــوضون من الله لكي يفعلوا في الأفراد الذين يحكمونهم
ما يشاؤون. تبعا لهذا الخــــبر، الإنسان السعودي لا يملك أي حق
أمام الجهة التي تحكمه. وجميع تصرفاتها، مهما كانت نوعيتها
وطبيعــــتها، يجب أن ُتقبل منه. إنه عار أعزل أمام جبروتها
وسطوتها.
لا ندري بما
تفيد الأسرة السعودية الحاكمة الإمبراطورية الإعلامية التي
تمتلكها وتمولها لممارسة الدعاية لها ولأفعالها، أمام هذا الخبر
الصغير، حين يسقط في أقسام التحرير، علي شكل قصاصة لإحدي وكالات
الأنباء العالمية؟ فجميع ما تنشره الصحف الموالية لآل سعود، وكل
ما يبث من برامج إذاعية وتلفزيونية، وجميع ما ُينفق من أموال في
صفقات للعلاقات العامة مع كبريات الصحف والقنوات التلفزيونية
الأمريكية، يبدو أمام هذا الخبر الموجز والمكثف، وكأنه ماء سكب
في رمال الصحراء. بماذا يجيب المحررون الصحافيون الذين ُتغدق
عليهم الأسرة السعودية الحاكمة بالأجور الكبيرة والسمينة في
وسائل الإعلام التي تملكها، المنظمات الدولية التي تعني بالدفاع
عن حقوق الإنسان، حين تُصدم بهذا الخبر، وتعبر عن استهجانها
ورفضها له، وتقرر التصدي للسعودية بفتح جميع الملفــــات
المتعلقــــة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان؟ هل يفيد محررو الصحف
الموالية للسعودية اللجوء، كالعادة، إلي النبش في ملفات صدام
حســــين وانتهاكاته لحقــــوق الإنسان، وإعادة تقديمها في
تقارير صحافية، بصيغ وأساليب مختـــــلفة، للتغطية علي ما
يجــــري من تجاوزات واستــــهتار بحقــوق الإنسان السعودي؟
لقد ذهب
نظام صدام حسين إلي غير رجعة، والرجل رهن الاعتقال اليوم، ونتمني
أن يحاكم محاكمة عادلة، ويقول القضاء كلمته فيه بشكل مستقل
ونزيه. ولكن ماذا عن الذين ما زالوا إلي اليوم يتحكمون في رقاب
أشقائنا السعوديين وينتهكون حقوقهم، ويمنعونهم من ممارستها، ولو
في شكلها الأولي، الذي هو الحق في التظاهر تعبيرا عن رأي؟ فهل
هؤلاء ديمقراطيون ومتفتحون، في حين صدام حسين الدكتاتوري الوحيد
الذي عرفته المنطقة العربية؟ بماذا يتميز حكام يجلدون مواطنا،
جريرته الوحيدة أنه تظاهر، عن باقي الطغاة الذين عرفهم العالم؟
هل هذا سلوك حضاري وديمقراطي وعصري، أم سلوك استبدادي ومتخلف
وظالم؟ نتمني أن يجيبنا علي هذه الأسئلة كل أولئك الذين لا
يكتبون إلا للتباكي بدموع التماسيح علي حقوق الإنسان العراقي
التي انتهكت في عهد صدام حسين. لأن حقوق الإنسان السعودي لا تقل
أهمية عن حقوق نظيره العراقي.
لا نعلم علي
أي أساس شرعي يقع الاستناد في السعودية للحكم بالجلد علي الذين
يتظاهرون، ففي حدود علمنا ليست لدينا آية قرآنية تنص علي جلد
المتظاهرين، وليس لدينا حديث نبوي يصب في هذا الاتجاه، لأن
التظاهر كان غير موجود، ولا يمارس في عهد الرسول، ولم يظهر كآلية
من آليات التعبير عن الرأي، إلا في العصر الراهن، حيث تم التنصيص
علي ضرورة احترام حقوق الإنسان والتقيد بها من طرف جميع
الحكومات. يضاف إلي هذا، أن الرسول الكريم عاش عادلا ومتسامحا مع
بني قومه، ومشركا لهم في القرارات التي كان يتخذها امتثالا لقوله
تعالي: وشاورهم في الأمر ، فمن أين جاء الحكم بالجلد علي الذين
تظاهروا في السعودية، وعلي أي قاعدة دينية يُفتي فقهاء السعودية
لأمرائها بجلد المتظاهرين؟
لابد من
الإقرار بأن الجلد عند حلفاء السعودية العسكريين الذين يوفرون
لها الحماية، وتتعامل معهم تجاريا، وماليا، وتستثمر لديهم أغلب
عائداتها النفطية، يساوي التعذيب. فعندما تُجهر الرياض بأنها
أصدرت حكما بالجلد ضد مواطنين سعوديين لأنهم تظاهروا، فإنها تقول
بطريقة غير مباشرة للرأي العام الغربي الذي تتودد له في حملات
علاقات عامة، بأنها تمارس التعذيب ضد مواطنيها، لمجرد تظاهرهم في
الشارع. ولا شك أن الذي يقرأ مثل هذا الخبر عن السعودية سيصاب
بالفزع، وسيفرك عينيه، وسيعيد قراءته أكثر من مرة، ليتأكد من
صحته، لأنه من الصعب العثور علي إنسان يقبل ويتفهم أن يُجلد
إنسان، لا لشيء، سوي لأنه تظاهر بشكل سلمي.
المشكل هو
أنه ليس لدي الإنسان السعودي أي مجال للتعبير من خلاله عن وجهة
نظره، فلا وجود لأحزاب سياسية ذات مشارب متعددة ومتنوعة، ولا
وجود لنقابات تؤطر العمال وتدافع عن حقوقهم، وينتظمون فيها
باعتبارهم فئة متميزة عن أرباب العمل، وليس هناك جمعيات للمجتمع
المدني تحسس السلطات بحاجيات المجتمع ورغباته، وليس هناك منظمات
تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان، وتراقب كيفية تدبير المال العام،
وتسيير شؤون المجتمع، والمساجد بدورها مراقبة من طرف السلطات...
وإذا كان
الإنسان في ظل وضع من هذا القبيل محروما حتي من حقه في التظاهر
بشكل سلمي، فما هو المسموح له به إذن؟ لاشك أنه يعيش في وضع،
ربما لا يختلف كثيرا، عن وضع الشخص المعتقل في سجن. فالوطن
يتحول، علي المستوي المادي الواقعي، إلي سجن كبير. وفي هذا السجن
الكبير حيث يعيش المواطن محروما من كافة حقوقه، لا يبقي له من
خيار سوي التخندق في منظمة من المنظمات المتطرفة التي تؤمن بأن
الخيار الوحيد الممكن لتغيير هذا الوضع الذي تسيطر فيه أسرة
واحدة، بقوة الحديد والنار، علي جميع أفراد المجتمع، هو خيار
العنف وحمل السلاح في وجه الدولة ورموزها. فالعنف الرسمي، غير
المبرر، قانونيا، واجتماعيا، وأخلاقيا، ُينتج عنفا مضادا له،
تنطبق عليه ذات الأوصاف.
الإنسان
السعودي يعيش في عالم متحرك، وبفضل الثورة الإعلامية أصبحت شريحة
واسعة من أبناء السعودية علي اطلاع علي المنجزات التي تحققت لبني
البشر علي جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا
شك أنهم يريدون من دولتهم أن تتعامل معهم كما تتعامل أغلب دول
العالم مع مواطنيها، بحيث تقر لهم بحقوقهم كمواطنين لا كرعايا،
وأن ترفع الوصاية عنهم، وتدعهم يدبرون شؤونهم بأنفسهم، بطريقة
عصرية، تؤمن بالتعددية، وبالحق في الاختلاف، وبفصل السلط،
والتداول علي الحكم من طرف نخب سياسية، ببرامج مختلفة، يتم عرضها
علي الجمهور السعودي ليختار الأفضل من بينها.
ما يحفز
السعوديين علي التشبت بمطالبهم هو الثروة البترولية التي تزخر
بها بلادهم. ولكن يبدو أن الدولة السعودية ما زالت إلي اليوم
تغمض عينيها رافضة النظر إلي المتغيرات التي تحدث من حولها، وما
زالت مصرة علي أن تحكم السعوديين بمنطق الإقصاء والعنف المحض،
وأن تستأثر شريحة مكونة من الأمراء بالسلطة وبالثروة تبددها
يمينا وشمالا، وأن تُحرم منها الأغلبية المطلقة من السعوديين،
وأن تُرهن طاقات الوطن والأمة العربية بين أيادي أعدائها.
ليست الدولة
في السعودية الوحيدة في العالمين العربي والإسلامي التي ما زالت
تدير الشأن العام في الوطن الذي تحكمه بمنطق الإقصاء والعنف،
فالعديد من الدول العربية والإسلامية تقوم بنفس الشيء تقريبا،
غير أن الفرق بين السعودية والكثير من الدول، يتجلي في أنها ظلت
متحجرة في نفس الموقف، ولا تريد أن تتزحزح عنه بالتقدم ولو في
خطوات صغيرة إلي الأمام، إنها مصرة علي أن تظل كما كانت منذ أن
تم تأسيسها لأول مرة في بدايات القرن الماضي، بنفس المؤسسات
للحكم، ونفس الصيغة لتدبير شؤون البلاد، رغم كل المتغيرات التي
تجري في القرب منها وبعيدا عنها، مما له تأثير مباشر، أو غير
مباشر عليها. المحزن، هو أن مثل هذه التصرفات، من نوع الحكم
بالسجن والجلد علي مواطنين سعوديين لمجرد أنهم تظاهروا، تتيح
الفرصة ملائمة لعزل السعودية وابتزازها بشن الحملات ضدها، وتصبح
الحملات مقبولة ومبررة، وتجد من يتفهمها ويتقبلها ويتبناها، حتي
إن صدرت عن الإدارة الأمريكية الحالية. فرغم أن هذه الإدارة
تُسير من قبل يمين متطرف كاره للعرب وحاقد عليهم، ومساند بالمطلق
لإسرائيل ولجرائمها، ورغم أن جورج بوش احتل بلدين إسلاميين هما
العراق وأفغانستان، وارتكب فيهما مجازر ومذابح تقشعر لها
الأبدان، فإن إدارته ستجد من يساندها حين تزعم أنها تدافع عن
حقوق الإنسان في السعودية، وأنا تناهض الحكم الذي صدر ضد بعض
السعوديين بالسجن والجلد.
إدارة بوش
التي تبطش بالعرب وتفتك بهم للسيطرة علي ثرواتهم، تبدو، بسبب
غباء الحكومات العربية، وكأنها رؤوفة ورحيمة بالعرب ومعترفة
بحقوقهم ومدافعة عنها، أكثر من الحكومات العربية. إنها قمة
المأساة.
القدس
العربي 21 / 1 / 2005
|